الصفحة 3 من 9

وعن الشعبي أنّه قال: سئل عمار بن ياسر عن مسألة , فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا , دعونا حتى تكون , فإذا كانت تجشمناها لكم [1] .

وكان زيد بن ثابت إذا سئل عن شيء قال: آلله كان هذا؟ فإن قال نعم , تكلم فيه , وإلاّ لم يتكلّم [2] .

ومنهم من استدل بقول الله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم , وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم} . (المائدة: 101) .

و بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ذروني ما تركتكم , فإنما أهلك الذين من قبلكم بسؤالكم واختلافهم على أنبيائهم) [3]

ومن أهل العلم من ذهب إلى استحباب الإفتاء فيما لم يقع [4] .

وقد فصل ابن القيم في هذه المسألة فقال:(إذا سأل المستفتى عن مسألة لم تقع فهل تستحب إجابته أو تكره أو تخيّر؟ فيه ثلاثة أقوال وقد حكي عن كثير من السلف أنه كان لا يتكلم فيما لم يقع , وكان بعض السّلَف إذا سأله الرجل عن مسألة قال هل كان ذلك , فإن قال نعم , تكلّف له الجواب وإلاّ قال: دعنا في عافية.

والحق التفصيل , فإن كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها , وإن لم يكن فيها نص ولا أثر فإن كانت بعيدة الوقوع , أو مقدّرة لا تقع, لم يستحب له الكلام فيها , وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد وغرض السائل الإحاطة بعلهما ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم , لا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك ويعتبر بها نظائرها ويفرّع عليها, فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى والله أعلم) [5] .

وبين القيم أيضًا أن نهي الله تعالى عن السؤال إنما هو عن أحكام شرعية عفا الله عنها - أي سكت عن تحريمها - فيكون سؤالهم عنها سبب تحريمها ولو لم يسألوا عنها لكانت عفوًا، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحَدَّ حدودًا فلا تعتدوها وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) [6] . وعلى هذا فقوله تعالى: {إن تبد لكم تسؤكم} فإنّه يسوؤهم أن يبدوا لهم ما يشق عليهم تكليفه.

وعلى هذا فلا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه, بل يستعفي ما أمكنه سواء كان ذلك من أمور الشرع أو القدر [7] .

وكذلك لما درس ابن رجب المنقولات الواردة في النهي عن السؤال قرّر أنها تدل على النهي عن أنواع مخصوصة من المسائل منها: النهي عن السؤال عما لا يحتاج إليه مما يسوء السائل جوابه مثل سؤال السائل هل هو في النار أو في الجنة.

(1) الدارمي (122) ؛ سير أعلام النبلاء (2/ 438) .

(2) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 500) ؛ سير أعلام النبلاء (1/ 399) .

(3) صحيح البخاري (7288) ؛ صحيح مسلم (1337) .

(4) الإنصاف للمرادوي (28/ 318) .

(5) أعلام الموقعين (4/ 222) .

(6) سنن الدارقطني (4/ 183) ؛ السنن الكبرى للبيهقي (10/ 12) ؛ الحليّة لأبي نعيم (9/ 17) عن أبي ثعلبة الخشني، وله شاهد عن أبي الدرداء عند الحاكم (2/ 375) قال الهيثمي (مجمع الزوائد 1/ 171) إسناده حسن.

(7) المستصفى للغزالي (1/ 483) ؛ شرح الكوكب المفيد (2/ 240) ؛ شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية العطار (4/ 66) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت