وقدكان السلف الصالح، بل وأصحاب الحكمة في الجاهلية والإسلام يكرهون الجواب الدبري وهو الذي يجيء بعد وقته، ومن أمثال العرب: شر الرأي الدبري [1] .
وكان بعضهم ينهي عن الرأي الفطير، ويستعيذ بالله من الرأي الدبري [2] .
وذلك بأن يستعد للرأي باختماره وإدارته في الذهن قبل تقريره، ليكون مستعدًا بالإدلاء به عند ورود الحادثة. وقد زور عمر بن الخطاب رضي الله عنه في نفسه ما يقوله يوم السقيفة قبل وقتها استعدادًا لما يقدم عليه.
وفي هذه الورقات القليلة محاولة للوقوف مع أفكار ورؤى حول ما نحتاجه هذا الزمن من بيان حكم ما سيعرض للأمة وأفرادها من نوازل ومستجدات مقبلة - قبل وقوعها - استعدادًا لما هو مقبل وآت راجيًا أن أوفق لبيان يفيد أو ذكرى تنفع والله الموفق.
أولًا: المراد بالفقه الارتيادي , أو الفتوى الارتيادية:
الفقه: معرفة الأحكام الشرعيّة العملية [3] .
والفتوى: تبيين الحكم الشرعي , والإخبار به , بدون إلزام [4] .
والارتياد: الطلب والقصد.
والرائد: من بيقدّم القوم يبصر لهم الكلأ ومساقط الغيث [5] .
فهو يبصر لهم ما لا يبصرونه بأنفسهم , ويتقدمهم ليستطلع لهم الحال وينبؤهم بما يكون عليه.
وهذا المصطلح - لا أعلم أحدًا عرّفه , ويمكن تعريفه بناءً على ما سبق بأنّه: التعرّف على الأحكام الشرعية للمسائل التي يتوقع حصولها.
أو تبيين الحكم الشرعي للمسائل التي يتوقع حصولها.
ثانيًا: الإفتاء والبحث في المسائل التي لم تقع:
تناول أهل العلم حكم الإفتاء والبحث في المسائل التي لم تقع , وتفاوتت أنظارهم في هذه القضيّة , فجمهورهم على كراهة ذلك استدلالًا بما نقل عن السلف من كراهتهم السؤال عن الحوادث قبل وقوعها , وعدم إجابتهم عن هذه الأسئلة.
فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أحرج بالله على كل امرئ مسلم سأل عما لم يكن فإنّ الله قد بين ما هو كائن [6] .
وعن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن شئ , فقال أكان هذا؟ قلت: لا , قال: أرحنا حتى يكون , فإذا كان اجتهدنا لك رأينا [7] .
(1) أمالي القالي (1/ 131) . وانظر: مجمع الأمثال (1/ 156) . والدبري: الرأي الذي يسنح للإنسان بعد فوات الحاجة.
(2) العقد الفريد (1/ 18) ؛ الكامل في اللغة و الأدب (1/ 229) ؛ البيان والتبيين (1/ 61) .
(3) المستصفى (1/ 50) ؛ البحر المحيط للزركشي (1/ 35) .
(4) مطالب أولى النهى (9/ 231) ؛ الفروق للقرافي (4/ 34) ؛ صفة الفتوى والمفتي لابن حمدان ص 4.
(5) الصحاح (2/ 478) ؛ المعجم الوسيط (1/ 381) .
(6) الدارمي (124) ، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/ 92) ، وابن القيم في أعلام الموقعين (1/ 70) .
(7) كتاب العلم لأبي خيثمة (76) ، سير أعلام النبلاء (1/ 399)