ومِن هنا يتَّضحُ الفرقُ بين هذه والتي قبلَها على القول الرَّاجحِ: أنه إذا جَهِلَ المصلِّي بالحدثَ أعادَ الصلاةَ ، ولا يعيدُ الصَّلاةَ إذا كان جاهلًا بالنجاسةِ . والفَرْقُ بينهما: أنَّ الوُضُوءَ مِن الحَدَثِ مِن بابِ فِعْلِ المأمورِ ، واجتنابَ النَّجاسةِ مِن بابِ تَرْكِ المحظورِ ، فإذا فَعَلَهُ جاهلًا فلا يلحقُه حكمُه .
39-ص ( 368 )
فإن قال قائلٌ: ما تقولون في رَجُلٍ مسافرٍ صَلَّى خلفَ إمامٍ يصلِّي أربعًا ، هل تُبيحونَ له إذا صَلَّى الركعتين أن ينفردَ ويُسلِّمَ ؛ لأنَّ المسافرَ يقصر الصَّلاةَ ؟
فنقول: لا نُبيحُ لك ذلك .
إذًا ؛ ما الفَرْقُ بين هذه المسألةِ ، ومسألة مَن يصلِّي المغربَ خلفَ مَن يصلِّي العشاءَ ؟
الجواب: الفَرْقُ بينهما ظاهرٌ ، لأن إتمامَ الرُّباعيةِ إتمامَ صِفةٍ مشروعةٍ في الحضر ، أما إتمام المغربِ أربعًا فليست صفةً مشروعةً إطلاقًا .
40-ص ( 455 )
أما الأعذارُ التي ذكرها المؤلِّفُ فهي أعذارٌ تُسوِّغُ للإِنسانِ أن يَدَعَ الجُمُعةَ والجماعةَ ؛ لأنَّه متَّصفٌ بما يُعذرُ به أمامَ الله ، أما مَن أكلَ بصلًا أو ثومًا فلا نقولُ إنَّه معذورٌ بتَرْكِ الجُمُعةِ والجماعة ، ولكن لا يحضُر دفعًا لأذيته ، فهنا فَرْقٌ بين هذا وهذا ، لأن هذا المعذورَ يُكتبُ له أجرُ الجماعةِ كاملًا إذا كان مِن عادتِه أن يصلِّي مع الجماعةِ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا مَرِضَ العبدُ أو سافرَ كُتِبَ له مثلُ ما كان يعملُ صحيحًا مقيمًا » أما آكلُ البصلِ والثُّومِ فلا يُكتب له أجرُ الجماعةِ ؛ لأننا إنما قلنا له لا تحضر دفعًا للأذية ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إنَّ الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم » .
41-ص ( 540 )
فإذا قال قائل: هؤلاء الملاحون أو السائقون لسيارات الأجرة دائمًا في سفر ، فإذا قلنا: أنتم مسافرون لكم الفطر فمتى يصومون ؟