الصفحة 11 من 16

لقد كان سلف الأمة أشد حرصًا ، وحفظًا للأمانة، فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر عرض على عثمان رضي الله عنه الزواج من ابنته حفصة ، فقال له قد بدا له ألا يتزوج في يومه ذلك ، ثم عرضها عمر رضي الله عنه على أبي بكر فصمت ولم يرد عليه بشيء ، وكان عمر يجد في نفسه على عثمان وأبي بكر لإعراضهما عن نكاح حفصة ، ولما خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر لعمر: ما منعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها فلم أكن أفشي سر رسول الله (5) .

كما روت عائشة رضي الله عنها أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن عنده ذات يوم فأقبلت فاطمة فأجلسها عن يمينه ، ثم سارها فبكت بكاء شديدًا ، فلما رأى جزعها سارها ثانية فضحكت ، فسألتها عائشة عن بكائها فأبت وقالت: ما كنت أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره . فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسمت عليها عائشة عن سر بكائها فقالت فاطمة: أما الآن فنعم . أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين ، وأنه عارضه الآن مرتين ، وإني لأرى الأجل قد اقترب ، فاتقي الله واصبري ، فبكيت ، فلما رأى جزعي سارني فقال: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة (1) ؟.

وينبني على ما سبق ، وللموازنة بين فوائد الفحص الطبي قبل الزواج، ومحاذيره ينبغي أن يكون الفحص الجيني حسبما يقتضيه الحال . أما الفحص الطبي عن الأمراض المعدية كحال نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) والوباء الكبدي والزهري ونحو ذلك فينبغي أن يكون إلزاميًا ، لأن درء الأمراض المعدية من أسباب حفظ النفس الذي تقتضيه الضرورة الشرعية ، ولأن الفوائد التي ستترتب على إجرائه أهم بكثير من المحاذير التي تترتب على عدم هذا الإجراء ، عملًا بأن قواعد الشريعة وأحكامها توجب نفي الضرر ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) (2) . وقوله عليه الصلاة والسلام: (من ضار ضار الله به ومن شاق شق الله عليه) (3) . وقد رتب الفقهاء على هذه الأحكام قواعد منها: أن الضرر يزال (1) . وأن الضرر يدفع بقدر الإمكان (2) . وأن درء المفاسد أولى من جلب المنافع (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت