الصفحة 9 من 80

فمعجزته في الإسراء والمعراج كانت معجزة في عهدها، وهي الآن معجزة في عصر الصواريخ والسفن الفضائية، فمهما أكتشف العلماء من سنن الله في الكون في علم الفضاء والصواريخ، والمركبات الفضائية، فهي لا تصل ولن تصل إلى معجزة الله في نقل محمد صلى الله عليه وسلم إلى القدس وصعوده إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى .. فالبشر يستعملون الطاقة بأشكالها، ومحمد حمله البراق وصعد به المعراج بغير الطاقة.

وهناك الكرامة، وهي أمر خارق للعادة تأتي على يد ولي من أولياء الله لا على سبيل التحدي لقومة، ولكن على سبيل إكرام الله له، كما حصل مع أبي مسلم الخولاني، الذي ذهب إلى اليمن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الأسود العنسي في اليمن قد إدعى النبوة مع من إدعى النبوة من المرتدين العرب، فأستدعاه الأسود العنسي وقال له:"هل تشهد أن محمدا رسول الله؟"، قال أبو مسلم:"نعم"، قال الأسود:"هل تشهد أني رسول الله؟"، قال أبو مسلم:"لا أسمع". فأمر الأسود العنسي بإيقاد نار فقذفه فيها، فلما خمدت النيران وجدوه يصلي في داخلها .. كرامة له ومعجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم، إذ لولا إيمانه بالله وبمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نجى من النار، فلما رجع أبو مسلم إلى المدينة وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي وتولى الخلافة أبو بكر الصديق، فأجلسه عمر بن الخطاب بينه وبين أبي بكر وقال:"الحمد لله الذي جعل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يقذف في النار فلا يحرق كإبراهيم عليه السلام".

الغيب في الهجرة

ولما استعصت مكة على الهداية كان لا بد للدعوة من أن تنطلق، فأذن الله لنبيه بالهجرة، بعد أن إستجابت المدينة إليه في موسمين من مواسم الحج، وبعد أن هيأها مصعب بن عمير - رضي الله عنه -، وكان الرسول صلى الله عليه سلم قد أرسله معلما إلى المدينة، ولما رجع إليه قال:"يا رسول الله، لم أترك بيتا في المدينة إلا وذكر فيه الإسلام"، فيأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة، وكانت قريش قد قررت إغتياله بشكل جماعي حتى يتفرق دمه بين القبائل فلا تستطيع بنو هاشم محاربة ومقاتلة قريش كلها.

ويبدأ الغيب يعمل، فيخرج الرسول عليه السلام من بيته وهم نيام فيضع التراب على رؤوسهم وهو يتلو قول الله تعالى (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) [يس: 9] .. وينام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - في فراشه تضليلا لقريش ويختبىء هو وأبو بكر في غار ثور، وتعلن قريش مكافئة مائة من الإبل لمن يأتي بالرسول حيا أو ميتا. ويعمل الغيب مرة أخرى، فتصل قريش إلى باب الغار غار ثور فيضطرب أبو بكر خوفا على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا، فيجيب الرسول صلى الله عليه وسلم إجابة الواثق بحماية الله له:""يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما""، (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني إثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم) [التوبة: 40] .. ويسير الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في رعاية الله ويمرون في الطريق على أم معبد، إمرأة من العرب تعيش ضنك العيش، وعندها شاة لا تقوى على القيام لهزلها وضعفها، فيقول لها الرسول صلى الله عليه وسلم:""هل عندك من لبن تسقيه لنا""، فأخبرته أن زوجها يرعى الغنم بعيدا وأنه لا يوجد عندها غير هذه الشاة الضعيفة التي لا تقوى على الحراك، فيمسها الرسول صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ويمس ضرعها فتفيض حليبا فتحلب أم معبد لهم فيشرب ثلاثتهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر والدليل، فلما رجع زوجها إلى البيت وأخبرته الخبر بأنه مر بنا رجل مبارك وقصت عليه قصتها معه. فقال لها: لعل هذا صاحب قريش الذي تبحث عنه.

ويلحق سراقة بن مالك بالرسول صلى الله عليه وسلم لعله يقبض على الرسول فيفوز بالمائة من الإبل التي أعلنتها قريش لمن يأتي بالرسول حيا أو ميتا، وهنا يظهر الغيب الذي لم يتخل عن رسول الله لحظة واحدة فتكبو في سراقة بن مالك فرسه مرة ومرة ومرة، فيلتفت الرسول صلى الله عليه وسلم إليه ويقول:""إرجع يا سراقة ولك سوارا كسرى""، وأظنه عاد ولسان حاله يقول:"أي رجل هذا من قريش الذي سيأخذ سواري كسرى"، ويرجع سراقة وهو متعجب من هذا الوعد، ولعله يقول في نفسه:"لعلها ضربة شمس أصابت الرجل".. وتمضي الأيام فإذا سعد بن أبي وقاص في إيوان كسرى، وإذ هو يصلي ثمان ركعات بتسليمة واحدة، صلاة النصر، لم يلتفت للقصر وما فيه من زخارف وأثاث ورياش تأخذ بألباب أي إنسان، وكانت من بينها سجادة مرسوم عليها بلاد فارس بخيوط من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت