الصفحة 8 من 80

وهنا يبرز الغيب في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، يسير معه خطوة فخطوة، ويأمره ربه بأن ينذر عشيرته الأقربين بأنه رسول رب العالمين (وأنذر عشيرتك الأقربين) [الشعراء: 214] .. فيقف على الصفا وينادي أفخاذ قريش من عبد مناف وعبد المطلب وبني هاشم، وكان الرسول معروفا لديهم بالأمانة والصدق، فيقول لهم صلى الله عليه وسلم:"لو أخبرتكم بأن خيلا في بطن هذا الوادي تريد مكة أومصدقي أنتم؟ قالوا: نعم، ما عهدنا عليك كذبا"، فقال صلى الله عليه وسلم:"إني رسول الله إليكم وإلى الناس كافة".. فيكذبه قومه.

وتستمر المعركة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة ثلاث عشرة سنة ذاق الرسول والذين آمنوا معه الأمرين، عذاب وضرب وإهانة، ولكنه كان واثقا من النصر، لأنه رسول رب العالمين، وهذا العذاب الذي ذاقه في مكة هو وأصحابه درس للمؤمنين من بعده، والدعاة من خلفه، إنه إذا كان الرسول قد عذب، فما لكم لا تعذبون؟، وقد صبر فلماذا لا تصبرون؟، ولقد إنتصر فلماذا لا تنتصرون؟، فالذي نصر محمدا هو الله، والذي ينصركم هو الله.

وتغلق مكة أسماعها وتتجمد قلوبها إلا قليلا من السادة وكثيرا من العبيد والمستضعفين، الذين فروا من العذاب إلى الحبشة مرتين، ليعبدوا الله في هدوء وطمأنينة، ويخرج الرسول إلى الطائف لعل أهلها يسلمون، فيجتمع مع سادة ثقيف عبد ياليل وأخوانه، فيرفضون الإسلام، فيقول:""اكتموا عني - أي لا تخبروا الناس - أني قد جئتكم""، ولكنه الكفر دائما، وأنى للكفر أن يصدق في عهد أو ميثاق. فيسلطون عليه صبيانهم ومجانينهم يلاحقونه ويقذفونه بالحجارة فينزل الدم من رجليه الشريفتين صلى الله عليه وسلم حتى أوى إلى حائط عتبة بن ربيعة أحد سادة قريش.

فينادي ربه بهذا النداء الجميل:""اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، أنت ربي إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري، أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل بي غضبك أو أن ينزل علي سخطك، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله"".

وهنا يعمل الغيب، فينزل جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال فيقول له:"لو أمرتني لأطبقت عليهم الاخشبين"- يعني جبلي مكة -، فيجيبه صلى الله عليه وسلم:""أللهم إهد قومي فإنهم لا يعلمون"".

وفي السنة العاشرة من البعثة، يقع الرسول صلى الله عليه وسلم في إمتحان عسير إذ يموت عمه"أبو طالب"الذي كان يحميه، وزوجته"خديجة"التي كان يركن إليها فيرى فيها السكون والهدوء والراحة، فتخفف من آلامه، فيرحم الله نبيه فيسري عنه فتكون حادثة الإسراء من مكة إلى القدس، لتصبح القدس وفلسطين وبلاد الشام جزءا من عقيدة المسلمين، فيحيي الله له الأنبياء ويؤمهم في القدس (المسجد الأقصى) ، وهذه بيعة منهم إليه بأن دينه هو خاتم الأديان التي سينقذ البشرية إلى يوم القيامة، ويعرج به من القدس إلى السماء، فيرى من آيات ربه الكبرى، (ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى) [النجم: 13 - 18] .

ويضطرب المجتمع في مكة، ويرتد بعض من آمن حديثا حينما أخبرهم الرسول بأنه ذهب إلى القدس، وأنه صعد إلى السماء في ليلته هذه، وها هو بينهم، (وهؤلاء المرتدون من البشر) والبشر غير المؤمنين لا يفكرون إلا تفكيرا ماديا يربطون الأسباب بالمسببات، ولكن لله في خلقه خطا آخر، فهو الذي أمر بربط الأسباب بالمسببات، فالنار تحرق، والسكين تقطع. وفي دعوته لهداية البشر يرسل الرسل ويأتي على أيديهم بمعجزات لا يربط فيها الأسباب بالمسببات، فإبراهيم عليه السلام يلقى في النار فلا يحترق، والسكين لا تقطع رقبة إسماعيل عليه السلام، وعصا موسى عليه السلام تلقف ما يأتي به سحرة فرعون، وعصا موسى عليه السلام تفلق البحر إلى إثني عشر طريقا، وعيسى عليه السلام يحي الموتى بإذن الله، ويبرىء الأكمه والأبرص بإذن الله. . وهكذا كل الأنبياء لهم معجزات خاصة بهم تناسب أمتهم وزمانهم.

فالمعجزة بالنسبة للأنبياء أمر خارق للعادة يأتي على يدي نبي على سبيل التحدي لقومه، ليعجزهم أن يأتوا بمثلها، ومن هذه المعجزات معجزة الإسراء والمعراج، وبما أن محمدا صلى الله عليه وسلم الرسول الأخير والخاتم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت