الصفحة 62 من 80

لأنه كما يبدوا فإن يهود والصليبيين لا يعتبرون المسلمين من البشر، ولقد عين بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة مساعدا له لحقوق الإنسان، وكأنه لم يسمع بمأساة البوسنة والهرسك، وقتل النساء والأطفال والشيوخ، وكأنه لم يسمع في تعذيب يهود لأهل فلسطين، وماذا يعنيه هؤلاء - إنه مسؤول عن البشر - وأغلب الظن أنه يحمل في نفسه حقدا، يصور له أن هؤلاء لا يرتقون ولا يرتفعون لمستوى البشر، وذلك كله لأنهم يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، ولأنهم يحرمون كل ما يضر ويؤذي الإنسان، ولأن خليفتهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، حينما دخل القدس أمن النصارى فيها على كنائسهم وأموالهم وما يعتقدون، ورفض أن يصلي في كنيسة القيامة حرصا منه على الوفاء بالعهد والعقد، والله يقول (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) [المائدة: 1] .

كل الذي نشاهده الآن من إجماع يهودي ونصراني ووثني على محاربة المسلمين في كل بقاع الأرض، وبالرغم من ذلك كله ينتشر الإسلام وهو مضطهد، ويمتد وهو مقاوم، ويقوى وأهله ضعفاء، وينتشر وكثير من أهله نيام، لكن القلة المؤمنة التي أنار الله قلبها بالإيمان، حملت الرسالة وسط الأشواك والألغام وهي منتصرة بإذن الله، كما شرحت في أول كتابي أن النصر ليس بقوة السلاح بالنسبة للمسلمين، وإنما يكون بهذا الدين، وسيرى الناس العجب العجاب .. وهنا يرد سؤال: هل معنى هذا أننا يجب أن ننتظر الغيب لا نعمل؟

هذا فهم خاطىء يورده أعداء الإسلام أو الجهلة بالإسلام، إن الإسلام فرض العمل وطلب العدة والاستعداد (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) [التوبة: 105] .. وأيضا (وأعدوا لهم ما أستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) [الأنفال: 60] .

فالمطلوب منا أن نعد ولا نتحجج بأننا يجب أن نكون على مستوى عدونا عددا وعدة، فهذا مستحيل، نحن مأمورون أن نعد القوة التي نستطيعها وندعو الله والتوكل عليه وننصر بتطبيق الإسلام -وقد أخذ الله بعد ذلك الأمر له - ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"نصرت بالرعب من مسيرة شهر"، فهو صلى الله عليه وسلم أعد الذي يستطيع وترك الباقي لله.

وها هم اليوم أهل فلسطين، يقاتلون يهود بحجارتهم وسكاكينهم يرهبون عدو الله وعدوهم، وها هم السودان يقاتلون السلاح الأمريكي والسلاح السعودي والسلاح الكويتي بكلمة نداء"الله أكبر"فقد طهروا السودان أو كادوا من رجس الوثنية والصليبية، وأهل أفغانستان حينما قاتلوا الالحاد الشيوعي بعقيدة الإيمان وقليل من السلاح وحينما تم لهم النصر أو كاد، دخل الشيطان بينهم وخاصة الأمريكي، فأفسد عليهم نصرهم، فتقاتلوا وهما فئتان مؤمنتان (ونحسبهم كذلك) وأخشى أن يكون القاتل والمقتول منهم في النار، إلا أن تكون هناك فئة مظلومة لا تقاتل لدنيا أو لمنصب وأرجو أن يكون ذلك ونرجو الله أن يهديهم سواء السبيل.

التوكل والتواكل

إن التوكل على الله لا يعني التواكل، فالتوكل إيمان وقوة، والتواكل كسل وهزيمة والرضى بالذل والسخيمة، وهذه يمثلها بعض أصحاب الطرق الصوفية الذين شوهوا الإسلام وأفرغوه من مضمونه، فأصبح الإسلام في مذهبهم دين الكسالى، والمتبطلين .. فلذلك إن التوكل على الله هو عقيدة الإسلام، قال تعالى (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره) [الطلاق: 3] ، فالتوكل إعداد إيماني، وإعداد نفسي، وإعداد مادي (بقدر الاستطاعة) والباقي على الله، ولذلك يقول الله (ولو يشاء الله لأنتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم) [محمد: 4] .. قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم * والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم) [محمد: 7 - 8] ، أما التواكل فهو بلادة في الحس والروح والفهم، كان الله يستطيع أن ينصر نبيه بكلمة (كن) لكنه أمره بالعدة والإستعداد والحرب والجهاد.

(أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) [الحج: 39 - 41] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت