الصفحة 56 من 80

الطائف، وهو صاحب السلطان، وقد ذهب ليتفرج عليه قبل أن يسكنه، فلما اطمأن ورأى ما يذهله ويذهل الناس، كان ملك الموت على الباب فقضى لساعته، وذهب إلى ربه (كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين * فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين) [الدخان: 25 - 29] .

فهل يتعظ فراعنة قرن العشرين. . وما كان لهم أن يتعظوا، وهناك قصور في المغرب والمشرق، وأصحاب هذه القصور يظنون أنهم ينافسون بها قصور الجنة، لأن جلهم لا يؤمنون بالله ولا بالغيب، أو هم يستعجلون بنعيمهم في الحياة الدنيا، لأنهم والله أعلم سيكونون محرومين منها عند الله. وهذه بنيت كلها في الغرب وفي الشرق لتذهب في الدنيا قبل الآخرة، وإن كانوا يتفاخرون بها في مجالسهم، أرأيت القصر الفلاني ما به من عجائب، أرأيت البيت الفلاني (الفيلا) ما بها من غرائب، أرأيت الزخرف الذي يعجز الإنسان عن وصفه، أرأيت بركة السباحة، أرأيت الثريا والفن في الإضاءة، أرأيت آخر موديل السيارات وما بها من عجائب وتحف، أرأيت الفن في الطائرات وما بها من وسائل الرفاهية، والتي كانت مضرب المثل في ذلك طائرة شاه إيران في ذلك الزمان، والتي جهزت وزخرفت من داخلها ب (45) مليون دولار، لقد رأيت بأم عيني من قصور الشاه، قصرا يسمى قصر (اللذة) ، حوائطه من البلور الكريستال المطعم بالفضة، تكلفة المتر المربع الواحد من هذا البلور (11000) دولار بسعر الدولار في ذلك الحين كما أخبرنا الدليل، فماذا كانت النتيجة؟ .. خلف الشاه وراءه القصور كلها، وأخذ يتنقل من بلد إلى بلد طريدا شريدا، وأستقر به المقام في منتجع سياحي في بنما سيء التأثيث، سيء الخدمة، وكانت (الإمبراطورة) تقوم بكي الملابس، وتنظيف الغرف، فهل يتعظ فراعنة اليوم؟؟!!

استمع إلى قول الله تعالى، وهو يخبر بأن هذه الأمور لم تغن شيئا وهي معرضة للزوال الحتمي، فبدلا من أن يعاقب الله الناس الذين إنحرفوا بسرعة، يمهلهم لعلهم يعودون، ولكن إذا استمر إعراضهم عن ذكر الله تكون النتيجة (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الأنعام: 44 - 45] ..

أرأيت أخي القارىء الكريم كيف فتح الله أبواب كل شيء في هذا العصر، والذي عددنا جزءا منه آنفا؛ حيث لم يكن وقت نزول الآية شيء مفتوح، إلا الشيء اليسير اليسير مما يحتاجه الإنسان من وسائل عيش بدائية، فهذه نزلت - والله أعلم - لنا نحن، أبناء القرن العشرين الميلادي، الرابع والخامس عشر الهجري، وإن الله يستدرجنا بذلك الفتح ليرى ماذا نفعل وهو الأعلم، فالإنسانية أعرضت عن ذكر الله، وعما جاءت به الأديان السابقة قبل أن تحرف، وعما جاء به القرآن الكريم، الذي هو رسالة الله الخاتمة إلى الناس أجمعين إلى يوم القيامة، وواجبهم أن يحلوا ما أحل، ويحرموا ما حرم، لكنهم لم يفعلوا، وبدأ الله يرسل الإنذارات لبني البشر من أمراض لا تشفى، ومن مخدرات تشقي الإنسان، ومن زلازل تدمره، ومن فياضانات وأعاصير ومن صقيع، لعل الإنسان يرتدع. . وأنى للكفار والظالمين والمعرضين ذلك ... .

وستتفاجأ الدنيا - بإذن الله - بأمر يذهلها، ويجعلها في حالة يأس (أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون - يائسون - فقطع دابر الذين ظلموا) ممن ملأوا الدنيا إلحادا وفسادا وظلما وطغيانا وكفرا ونفاقا، (ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا) [الإسراء: 51] .

نحن على أبواب تغيير في مسار الحضارات، حيث الحضارة الغربية تحتضر، وهي في طريقها إلى الزوال والإنحلال، لأنها أشقت الإنسان ولم يعرف في ظلها إلا الشقاء والبلاء، نعم إنه يتمتع بألات حديثة، وسفر سريع، ولكنه شقي يحمل في جيوبه وفي حقائبه أدوية مختلفة، وعقاقير متضادة، هذا الدواء لينام، وآخر ليستيقظ، وثالث لضغط الدم، ورابع للسكري وخامس وسادس وهكذا، حتى إذا جاء أجله قالوا مات بسكتة قلبية، لم تنفعه ولم تسعفه السيارة ولا الطيارة، ولا كل ما توصلت إليه المدنية الحديثة، إنه يموت ببطىء ويعيش في شقاء.

والحضارة الإسلامية بدأت تتململ لتعود بطهارتها لتطهير الإنسان، وإرجاع الطمأنينة إلى قلبه بالذكر والعبادة وقيام الليل وتلاوة القرآن (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) [الرعد: 28] .. والشيطان يحرض أتباعه على مقاومة كل ما يؤدي بالإنسان إلى الخير وكل ما يعطيه السعادة، فيغريه بأن يلجأ إلى المخدرات لعلها تغنيه عن ذكر الله، وإلى المسكرات لعله يهرب بها من نفسه، لكنها لا تغنيه شيئا ويزداد شقاء وتشقى أسرته معه ويشقى مجتمعه به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت