الصفحة 54 من 80

الفصل الخامس

تدمير الحضارة الغربية (فلسفتهم ووجهة نظرهم في الحياة) والآيات القرآنية في ذلك

الآية الأولى في تدمير الحضارة المادية

(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الأنعام: 44 - 45] .

انطلق العقل البشري يعمل وينقب ويكتشف من سنن الله في الكون كل يوم جديد، لكنه مهما وصل لا يصل إلا إلى حد محدود، فهو لا يمكن أن يعرف سر الحياة، ولقد حاول كثير من الملاحدة وعلماؤهم أن يعطوا الحياة للخلية الأولى ففشلوا وسيفشلون (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أتيتم من العلم إلا قليلا) [الإسراء: 85] .

ولو اجتمع علماء الأرض، ومختبرات الأرض، وجامعات الأرض، أن يعطوا حياة لذبابة، فلن يستطيعوا. ولما أراد الله أن يتحدى العلماء والبشرية كلها ليثبت عجزهم، لم يتحداهم بالعلوم والمعارف، فهذه الله دعا إلى بحثها، ودعا إلى التفكر في خلق السماوات والأرض، وإنما تحداهم بسر الحياة.

)يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو إجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز) [الحج: 73 - 74] .. ولاحظ هنا في الآية أن التحدي كان عاما شاملا للعقل البشري، وللألهة من البشر، وللمختبرات وللجامعات في أن يعطوا حياة لذبابة وهي من أصغر وأحقر مخلوقات الله.

ولم يكتف بذلك، بل تحداهم أن يستخلصوا الغذاء التي تأكله الذبابة من جسمها، فلن يستطيعوا، لأنه تبين أن الذبابة مع حشرات قليلة من خلق الله ليس لها معدة، وإنما يذوب الطعام حينما يلامس فمها، فيدخل إلى جسمها وخلايا جسدها.

فلم يكن ضرب الله لذبابة مثلا عشوائيا، بل هو تقدير الخبير العليم الذي أحسن كل شيء خلقه، خالق السماوات والأرض ومن فيهن ومن عليهن، ولو كان للذبابة معدة، لاستطاعت المختبرات الحديثة المتطورة جدا أن تخرج من معدتها الطعام مهما دقت معدتها، لكنه تحد من الله الخالق القدير الخبير.

فالكون يسير في نظام دقيق عجيب، فصول أربعة لا تتخلف، وأشهر معلومة، وأيام معدودة مدتها الزمنية كل يوم في هذا الشهر من هذه السنة يقابله في السنة القادمة في نفس الشهر يوم يتطابق معه في عدد ساعات الليل والنهار منذ بدء الخليقة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) [فاطر: 13] .. ولذلك حينما ناقش النمرود إبراهيم الخليل عليه السلام في أنه يحيي ويميت كما أن الله يحيي ويميت، فأجابه إبراهيم بالتحدي المسكت المعجز فقال له: (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر) [البقرة: 258] .

ولقد أصاب الغرور كثيرا من العلماء والمفكرين نتيجة للاكتشافات الهائلة التي توصل إليها العقل البشري، فأتخذوا من العقل إلاها، ومن العلم إلاها، وفاتهم أن هذا العقل وهذا العلم وما اكتشفه الإنسان ويكتشف يوميا، هي سنن كونية خلقها الله في الكون تنتظر الاكتشاف. لأن الله قد سخر هذا الكون للإنسان ليستفيد منه ولقد ذلله له (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) [لقمان: 20] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت