والذين كفروا أنفقوا أموالهم وينفقونها لإقامة وتثبيت دولة يهود، فهل تبقى دولة يهود؟ إنها لن تبقى، لأن الآية تتكلم عن المستقبل، فتقول (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله) ، وقد بينت كيف أنفقوا أموالهم في كل وجه وسبيل، ليصدوا عن سبيل الله واطفاء نوره سبحانه وتعالى. وبعد ذلك تمضي الآية فتقول:"فسينفقونها"أي مستقبلا وليس حين نزول الآية، لأن السين هنا سين الاستقبال، وبعد أن ظنوا أنهم بهذا الإنفاق أطفئوا نور الله يجيبهم الله فيقول: (فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة) . . وهكذا كان، فإذا الصحوة الإسلامية تقلب الموازين رأسا على عقب، وإذا الشباب المتعلم في مدارس الغرب ومناهجه دعاة إلى الله، حفظة للقرآن، يقومون الليل ويصومون النهار ويترفعون عن الدنيا والدنايا، وكثير من الشباب في بلاد المسلمين يذهبون لإكمال تعليمهم في الغرب، ويذهبون غير متدينين أو مقصرين في عباداتهم ويرجع الواحد منهم فإذا هو داعية إلى الله وقد أطلق لحيته ويبدأ في هداية أهله إن كانوا مقصرين. ويفاجأ الغرب كيف حدث هذا الأمر؟!! وكيف يعالجون هذه الظاهرة؟. وكأن النفس الإنسانية بأيديهم، والغواية والضلالة في الإنسان تحت أمرهم، ويأمرون عملاءهم من المفكرين والسياسيين، أن يعالجوا هذا الأمر الخطير، ولم يعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:""قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء"".
ولقد أتيح لي في عمان أن أجتمع إلى نخبة من الأطباء الذين تخصصوا في الغرب، لأحدثهم عن الحل الإسلامي لمشاكل الأمة. فقلت لهم:"أنتم الذين رأيتم الغرب بأم أعينكم وإنهيار حضارته، وتعذيب إنسانه، وشقاء الأنثى فيه التي أصبحت سلعة تباع وتشترى للأفلام السينمائية والمسارح والمواخير وإلى غير ذلك، مما أشقى الإنسانية وأشقاها"، وقلت:"إن اجتماعي بكم هذا، هو علامة من علامات التغيير في المجتمع ورجوع المجتمع إلى أصوله والأمة إلى عقيدتها".
وفي مجال الصحوة الإسلامية والتي ليست في مكان بعينه وإنما تكاد تشمل العالم كله حدثت هذه الصحوة في فلسطين القسم المحتل سنة 1948 وكان من ضمن مظاهرها إطلاق اللحى والتنادي بالفكر الإسلامي، مما جعل يهود يستغربون هذا الأمر وكانوا يظنون أنهم قضوا على بذرة الإسلام في قلوب الشباب، فألفوا لجنة من أساتذة جامعة (تل أبيب) من علماء النفس والتاريخ والإجتماع لدراسة هذه الظاهرة، فقلت لهم في حينها بمقال نشرته الصحف:"يا معشر يهود، إن هذه الصحوة لا يمكن أن تدخل ضمن تحليلاتكم ولا مختبراتكم، إنها قدر من القدر الذي سيعصف بكم على أيدي هؤلاء الشباب الذين عادوا إلى الله، وسيأخذ الله بيدهم لأنهم جنده وجند الله لا يغلب، فلن تستطيعوا أن تفهموا ما يجري، لأن ما يجري من الغيب، وأنتم قوم لا تعقلون".
والفكر المادي خدع الإنسانية بفكرة التطور وجعلها تشمل كل شيء الإنسان والحيوان والأديان والمادة، وهذا خطأ فاحش، فوسائل المواصلات مثلا كانت في بداية التاريخ وإلى وقتنا الحاضر الجمل، والحصان، والبغل والحمار، وهذه لم يلحقها التطور ولا التغيير، فالجمل لم يصبح سفينة، والحصان لم يصبح سيارة، وهكذا بقي الحصان حصانا، والجمل جملا والحمار حمارا، ولكن الإنسان اخترع أشياء جديدة لحله وترحاله من الدراجة وحتى الطائرة، وهي موجودة هذه المخترعات بجانب هذه الحيوانات. . ولذلك إطلاق كلمة التطور على الأحكام الشرعية خطأ فادح، لأنه لا اجتهاد في مورد النص، فالربا حرمته قائمة إلى يوم القيامة، ولكن وظيفة المجتهدين من العلماء أن يبحثوا مدى إنطباق حرمة الربا على العقود الجديدة التي تنشأ إلى يوم الدين، فإن كان فيها علة الربا فهي حرام حرمة الربا وإلا فلا. والزنا حرام إلى يوم القيامة ولا يقول بإباحته إلا كافر. والخمر حرام إلى يوم القيامة، وفروض الإسلام الخمسة مستمرة إلى يوم القيامة، والجهاد مستمر إلى يوم القيامة لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر، وهكذا بقية الأحكام الشرعية، لا يلحقها تبديل ولا تغيير ولا تطور، لأن التطور محال في الأحكام الشرعية التي علمت من الدين بالضرورة.
وهناك في المجتمع بقية من مخلفات الحضارة الغربية، الذين (يزعمون التقدم ويقولون بالتطور) ، والذين كانوا يقولون ولا يزالون (لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور، وإنما هي أرحام تدفع، وقبور تبلع، وأن الإنسان تطور عن الحيوان وأن الحيوان تطور عن الخلية الأولى) وهم يعجزون وعاجزون عن الإجابة عمن أعطى الخلية الأولى الحياة؟. ولقد قرأت عن عالم روسي عام (1959) قال:"لنا ثلاثون عاما نحاول أن نعطي الحياة للخلية الأولى والتي عرفنا مكوناتها، ونعلن الآن عن عجزنا عن معرفة سر الحياة فيها"فصدق الله وصدق الغيب (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) [الإسراء: 85] .. وكلمة التطور