الصفحة 34 من 80

التحول في الجزائر

والأمة بعد خيانة 1967، عاشت في جمود فكري وسياسي، وكان الناس حيارى لا يدرون. منهم من كان متعلقا بالزعيم ويرى فيه المسيح المخلص، فلما إنكشف أمر الزعيم وأنه كان (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) [النور: 39] .. أصيب بصدمة عنيفة أفقدته التفكير والقدرة على العمل، ومنهم من اتبع الأحزاب الكافرة التي سيطرت على أجزاء كثيرة من هذه الأمة، الأحزاب المأخوذ من الماركسية، والمادية الديالاكتية، التي قامت على أساس (التطور المادي الحتمي) للمجتمع والمادة والتاريخ، وأن الآلة هي التي تطور المجتمع، وأنه لا إله ولا يحزنون، وإنما هي أرحام تدفع، وبطون تشبع، وقبور تبلع .. وأنه بعد الرأسمالية تأتي الإشتراكية، وأن بعد الإشتراكية الشيوعية، وبعد الشيوعية يعيش الإنسان بلا حكومة، خيال مريض أنتجته عقلية يهودية سخيفة حاقدة، عقلية ماركس ومن بعده لينين، وكانت الأحزاب الكافرة في الوطن العربي والإسلامي أخذت هذا الفكر، بإعتباره قضايا مسلم فيها لا تحتمل النقاش، ولكن هذا الفكر سرعان ما إنهار، وإنهارت الأحزاب التي تحمله، سرعان ما إنهزم، وإنهزمت الأحزاب التي تحمله، وكان يستحيل على هذه الزعامات والأحزاب أن تنتصر لا شرعا ولا عقلا، أما الشرع فلا يمكن لهذه الأمة أن تنتصر بغير الإسلام عبر التاريخ وإني أتحدى كل مؤرخ وكل مفكر وكل سياسي أن يعطيني معركة ولو واحدة انتصر المسلمون فيها بغير الإسلام. أما عقلا فالماركسية تلغي العقل في تسييره لأمور الدنيا وتجعل الآلة هي التي تتحكم في هذا التسيير.

وآخر معركة إنتصر فيها المسلمون في هذا العصر، معركة الجزائر، والذي إنتصر هو الشعب الجزائري المسلم، الذي تربى في كتاتيب القرآن، التي أقامتها جمعية العلماء بقيادة المرحوم الشيخ عبدالحميد بن باديس، والمرحوم الشيخ بشير الإبراهيمي نائبه. كان الحزب الشيوعي الجزائري وهو فرع من الحزب الشيوعي الفرنسي يقاوم هذه الثورة، ويدعو بالإندماج مع فرنسا، فلما إنتصرت الثورة، جاء العلمانيون فسرقوها بقيادة أحمد بن بيلا، ومن بعده هواري بو مدين، وأقتسم قادة جبهة التحرير السلطة والسرقة، وسرقوا من أموال هذا الشعب عبر هذه السنين (27) مليار دولارا، مما أدى إلى إفقاره وتجويعه، ولقد اعترف (أحمد بن بيلا) في إجتماع تم في لندن في بيته بيني وبينه، أنهم حينما إستلموا الحكم في الجزائر، كانوا مراهقين سياسيين، وأنهم لبسوا حلة ليست لهم، ضيقة قصيرة الأرجل والأكمام، ومع هذا لبسوها فعذبتهم وعذبت الشعب الجزائري.

وهكذا، أفلست جبهة التحرير، وأفلس فكرها إن كان لها فكر، وأجاعت الشعب في الجزائر، والبلد الوحيد في العالم -على ما أعلم - الذي تؤجر فيه الشقق السكنية لعائلتين بآن واحد، عائلة بالليل وعائلة بالنهار هو الجزائر.

لكن الله كان لهؤلاء الحكام بالمرصاد، فأنتفض الشعب الجزائري إنتفاضته الكبرى، قبل خمس سنوات، وهيأ الله له قيادة مسلمة (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) ففازت في الانتخابات على أساس من كتاب الله وسنة رسوله، فحصلت على (88%) من مجموع الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات، ولو جرت الجولة الثانية من الانتخابات لسيطر الإسلام على (95%) من مجموع أعضاء المجلس، لكن الغرب تحرك، وتحرك الصليبيون، وتحركت أمريكا، وتحركت فرنسا، وتحرك الماسونيون وتحرك العلمانيون ولا يزال الجيش تحت أيديهم، فصادروا (الديمقراطية) في الجزائر، مصرين على تجويع الشعب الجزائري وإذلاله وسرقة أمواله. لكن الغيب يتدخل، فأنتفض الشعب ولا يزال، وكان الحكام من جهلهم هم ومن معهم يظنون أن القوة ستقضي على إرادة الشعب المستمدة من إرادة الله. فسرعان ما حركوا الجيش ليقضي على هذا (التمرد) لكن الأمر أستفحل، وكلما سقط شهيد في المعركة قام رجال أشداء، والآن تبحث الفئة الباغية في الجزائر عن حل يحفظ وجودها إن كان سيبقى لها وجود، ويحفظ ماء وجهها إن كان في وجوههم حياء.

وهم اليوم بدأوا يتراجعون، فبدأوا يغازلون ويريدون المفاوضة مع جبهة الإنقاذ الإسلامية، ونصر الإسلام في الجزائر حتمي بإذن الله، إذ أن الثورة في الجزائر ليست ثورة حزب، لكنها ثورة شعب. وقد رأيت ذلك بأم عيني حينما زرت الجزائر، وحضرت مهرجانا، أنا والشيخان عباسي مدني وعلي بلحاج في الاستاد الرياضي الكبير في الجزائر، وخطبنا أمام عشرات الألوف التي كانت تزمجر وتعلن الجهاد والإستشهاد، وقد سجل هذا المهرجان على شريط فيديو ووزعت منه مئات الألوف من النسخ في جميع أنحاء العالم وخصوصا في الجزائر وفرنسا وأوروبا. فإذا ما سقط الحكم في الجزائر بأيدي المسلمين وشع نوره فسيشمل المغرب العربي الكبير، ومن يدري فلعل دولة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت