وأنتهت الحرب بانتصار الحلفاء. فمزقوا الدولة العثمانية شر ممزق، وعينت بريطانيا أول مندوب سام لها في فلسطين يهودي، أسمه (هربرت صمائيول) ، ومكث مندوبا في فلسطين مدة ست سنوات، وضع فيها القوانين والأنظمة تمهيدا لقيام دولة إسرائيل، وكانت قوانينه كلها تعمل لهدم العرب في بلادهم، وإنتزاع أرضهم منهم.
وثار الشعب الفلسطيني على قلة عدته عدة ثورات متلاحقة عام (1921 - 1929 - 1933 - 1936 إلى 1939) ثم قامت الحرب الكونية الثانية، ولم تستطع بريطانيا ولا يهود أن يأخذوا فلسطين من أهلها، فخرجت بريطانيا (عدوة المسلمين الأولى) على العرب بفكرة إنشاء (الجامعة العربية) عام 1945 لتتولى الجامعة العربية تسليم فلسطين، وتثبيت التجزئة بين العرب.
وسلمت الجامعة العربية ثلثي فلسطين عام 1948، وسلمت الباقي عام 1967، ولكن هل إنتهى الأمر؟ وكيف سينتهي؟ والغيب يقول قامت دولة إسرائيل لفترة محدودة، وقامت لتزول، لكنه عذاب الله المفروض على يهود إلى يوم الدين (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) [الأعراف: 167] .. فالبرغم من أن ليهود دولة أو شبه دولة، وقد أعطاها الكفر جميع أنواع الأسلحة، حتى القنبلة النووية، فهل تعيش بأمن وطمأنينة؟! إن واقعها يقول، آن آوان الأفول، ويستمر الغرب الصليبي في تثبيت دولة إسرائيل، فيصدر قرار الأمم المتحدة عام 1947 بتقسيم فلسطين إلى عربية ويهودية، ويقاوم الفلسطينيون، وتتدخل الجامعة العربية لتأدية رسالتها والتي من أجلها أسست. وكانت تتألف من سبع دول عربية - لا بارك الله في عددهم ولا فيهم - وأقام الحكام التقليديون دولة يهود، وكان الذي يسير الجامعة العربية في ذلك الحين رجل المخابرات البريطاني المشهور (كلايتون) ، وحينما دخلت الجامعة العربية فلسطين لتحررها بل قل لتسلمها منعت الفلسطينيين من الجهاد، بحجة أن الجيوش ستحارب، ولم يكن يهود في ذلك الحين يملكون أسلحة لا متطورة ولا تقليدية بكميات وافرة، وكان من السهل القضاء عليها في مهدها، ولكنها حب الدنيا وكراهية الموت، وحب الألقاب الضخمة كانت تستولي على عقول هؤلاء الحكام.
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالقط يحكي إنتفاخا صولة الأسد
ويقفز إلى الحكم الثوريون في انقلاباتهم المتتالية في عالمنا العربي، وجميعهم أعلنوا في بيانهم رقم (1) شتم الاستعمار والإمبريالية، ويتوعدون ويتهددون وأنهم جاءوا لتحرير فلسطين. فظلموا الشعوب وعذبوا البشر، وقتلوا النفس، وهتكوا العرض، وأخافوا الأطفال والنساء والرجال، وجوعوا الناس أجمعين كل ذلك باسم فلسطين. ولقد طبقت أمريكا على أيديهم الاشتراكية، التي لا تعني في حقيقتها إلا التساوي في الظلم، والتساوي في هدر الكرامة، وقتل كل كريم وقتل كل موحد وكل مفكر.
وأذكر في هذه المناسبة حينما حكم عبد الناصر على المرحوم (سيد قطب) بالإعدام، وقفت في الأقصى بعد صلاة الجمعة كعادتي في ذلك الحين، قلت له لا تعدمه، وحذرته من ذلك، لكن عبد الناصر كان ينفذ مخططا، ويعمل على تثبيت دولة إسرائيل بما أوتي من جبروت وطغيان وفساد، هو وزمرته الذين يحرقون الباخور بين يديه، ويؤلهونه كما لم يؤله بشر في التاريخ، ولما أعدمه وقفت في الأسبوع الذي يليه، وكنت لا أذكر عبد الناصر باسمه الصريح في خطبي، وإنما أشير إليه وإلى غيره من الحكام بصفاتهم، ولكني في هذه المرة ذكرته باسمه فقلت:"يا عبد الناصر، يا عدو الله أيها الفرعون الصغير، قتلت سيد قطب لتقتل كل داعية، وتخيف كل عالم، وتمنع كل مفكر، قتل قبلك الحجاج (أحد ظلمة التاريخ في الأمة الإسلامية) سعيد بن جبير - رضي الله عنه - من كبار التابعين، بعد أن صلى ركعتين محتسبا لله، فما ذاق الحجاج بعدها الراحة والطمأنينة، وكان سعيد بن جبير يأتيه كل ليلة في منامه يقهقه في وجهه فيفيق مذعورا ويقول: (قتلني سعيد، مالي ولسعيد) .. والله يا عبد الناصر أيها الفرعون الصغير لترين ذل نفسك في الدنيا قبل الآخرة، أبشر بها يا عدو الله".. وقد كان.
فكانت (هزيمة سنة 1967) ، بل قل (خيانة 1967) أخزى معركة في تاريخ البشرية لكل الأمم على مر العصور، إذ ينتهي جيش عبدالناصر وفرعونية عبدالناصر في الربع الساعة الأولى من المعركة، إذ كان طيران يهود قد دمر طيران عبد الناصر من العريش حتى أسوان، وكان طيارو يهود ينادون قادة المطارات من خلال طائراتهم بأسمائهم ورتبهم ويطلبون منهم التسليم، وكان زهرة ضباط الطيران الذين رباهم عبد الناصر على فكره، فأباح