ويدخل صلاح الدين القدس في رجب، وعاد المسجد الأقصى إلى طهره وقدسيته، بعد أن دنسه الصليبيون ما يقرب من تسعين سنة. ثم أتم تطهير فلسطين وبلاد الشام والمنطقة كلها من الصليبيين الظاهر بيبرس - رضي الله عنه - وعادت هذه الأرض عربية إسلامية قرآنية موحدة وأخذ الغيب يعمل عمله.
ولما عادت أوروبا منهزمة بعد حروب مريرة، إستمرت قرنين من الزمن كلفتها ملايين الرجال والنساء ومالا يحصى من الأموال، عادت تفكر في الذي سبب لها الهزيمة، فعرفت أن السر في الإسلام، الذي يجعل الجهاد ذروة سنامه، والذي كاد يحرم الجنة إلا على المجاهدين (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) [البقرة: 214] .. (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) [آل عمران: 142] . . هذا الدين الذي يجعل الشهادة هي الحياة بعينها، ويرفض بل يحرم أن يقال للشهيد ميت (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) [البقرة: 154] ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:""جعل الله للشهداء في الجنة مائة درجة، بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، وإن أوسطها الفردوس - أي خيرها وأحسنها - فاسألوا الله الفردوس""، وإن الله يعطي الشهيد خمسا لا يعطيها لغيره:
-... يغفر له مع أول قطرة تنزل من دمه.
-... يأمن من عذاب القبر، ومن الفتن.
-... يلبس تاج الفخار، الجوهرة فيه تساوي الدنيا وما فيها.
-... يزوج بسبعين من الحور العين.
-... ويشفع في سبعين من أهله.
الغيب في الدولة العثمانية
وكان المسلمون قد دخلوا في ظل الدولة العثمانية، وحملت الدولة العثمانية الإسلام بغير لغته، وفتح محمد الفاتح القسطنطينية، وهنا يصدق الغيب مرة أخرى وتشمله دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال:""تفتح عليكم القسطنطينية، نعم الأمير أميرها، ونعم الجيش ذلك الجيش"".
حينما هجم محمد الفاتح على القسطنطينية الهجوم الأخير، وكان قد هاجمها عدة مرات، ولم يفلح في اختراق حصونها، وكان معه أستاذه، أحد العلماء الأفاضل، فأشار عليه أن يلجأ إلى الغيب ليرضي الله سبحانه وتعالى. فيأمر الجيش أن يصوم ثلاثة أيام وأن يتلوا القرآن فيها، حتى إذا كان يوم الهجوم أمرهم بالاغتسال والتطهر. بعد ذلك بدأ بالهجوم، ففتحت القسطنطينية، فسجد محمد الفاتح على الطين في شوارعها، خوفا من أن يصيبه الغرور، بعد أن أصابته بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه نعم الأمير، وجيشه نعم الجيش، وتضطرب أوروبا ويضطرب العالم الكافر، فيرسل البابا رسولا إلى محمد الفاتح، ويعرض عليه أن يتنصر وهو على استعداد ليعطيه كل أوروبا، لكنه - رضي الله عنه - لم يأبه لهذا وسارت جيوشه تفتح أوروبا حتى وقفت من بعده على أبواب فيينا.
وقد صدق الغيب مع محمد الفاتح بعد خمسمائة سنة من الإسلام، فيصدق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب على قبره. ولقد شعرت براحة نفسية عجيبة حين زرته.
ولأن الدولة العثمانية جعلت اللغة التركية هي لغة الدولة، ولم تجعل اللغة العربية التي هي لغة القرآن والإسلام بدلا منها (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) [يوسف: 2] .. والآيات كثيرة في هذا الموضوع، إذ أن الإسلام لا يفهم إلا بلغته، فلا يمكنك أن تستنبط الأحكام من القرآن والسنة إلا إذا كنت عالما باللغة العربية وأسرارها، والحقيقة والمجاز والناسخ والمنسوخ، ولذلك في العصر التركي على عظمة ما قامت به الدولة الإسلامية العثمانية