الصفحة 28 من 80

ويسير المسلمون من غلب إلى غلب، ومن فتح إلى فتح، ويدخل الناس في دين الله أفواجا، ولكن بعد فترة زمنية يتسرب إلى الإسلام فلسفات لا يعرفها، وأفكار يرفضها نتيجة للخطأ الكبير الذي إرتكبه أبو عبدالله المأمون الخليفة العباسي، حين أمر بترجمة الفلسفات الغير إسلامية، الفلسفات الهندية، والفارسية، واليونانية، والرومانية، والنصرانية واليهودية، مما سبب انحرافا في الفكر الإسلامي.

وكانت الدولة العباسية قد أخذت موقف الدفاع عن الدولة الإسلامية الكبيرة (إلا قليلا من الهجوم) التي فتحها الصحابة والأمويون، بدلا من الجهاد ومبادرة الهجوم في نشر الإسلام في العباد والبلاد، وهذا نتيجة للترف الفكري، والترف المادي، الذي انغمست فيه الدولة العباسية، مما أضعف روح الجهاد وروح التحدي والإستشهاد. فمن المعروف بداهة وتاريخيا، أن الفرد إذا فقد روح التحدي مات، وأن الجماعة إذا فقدت روح التحدي ماتت، وأن الدولة إذا فقدت روح التحدي ماتت، ولو قبل الرسول صلى الله عليه وسلم نصيحة عمه، يوم أن جاءت قريش تشتكي النبي صلى الله عليه وسلم تتهدد وتتوعد، فيشفق عمه على نفسه وعلى ابن أخيه ويقول له: يا أبن أخي:"لا طاقة لنا بقتال العرب كلها".. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقبل التحدي فيقول:""والله يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه"".. ويمضي الرسول صلى الله عليه وسلم باكيا فيشفق عليه عمه ويقول له:"إرجع يا أبن أخي لن أسلمك أبدا"، وكانت قريش قبل ذلك عرضت عليه الملك والمال والنساء ومغريات الدنيا كلها. وكانت نتيجة هذا التحدي إنتشار الإسلام وهزيمة قريش وإقتلاع الإمبراطوريات وبقاء هذا الدين إلى يوم القيامة، يدخل أتباعه الجنة ويدخل أعداءه النار.

الغيب في الحروب الصليبية

ويفقد المسلمون هذه الروح (روح التحدي) ، يضعف الفكر الإسلامي الصافي في النصف الثاني من الدولة العباسية، ويغوص الناس في وحل الفلسفات التي لم يعرفها المسلمون الأوائل (لا الصحابة، ولا التابعون) وتبدأ الدولة الإسلامية، بالتمزق، وتذهب الأندلس، وتنشأ شبه أقاليم مستقلة في الدولة الإسلامية الواحدة، ويفقد المسلمون الإبداع (الرؤيا بنور الله) ويأتي التتر بهمجيتهم وبداوتهم فيحتلون بغداد، ولأنهم ضد العلم وضد النور، فيدمرون مكتبات بغداد الكبرى، ويرمون الكتب في نهر دجلة، فيتحول لون النهر إلى لون الحبر، الذي نزل من الأحرف التي كتبت بها الكتب. في هذا الجو جاء الصليبيون ليخلصوا قبر المسيح - كما يزعمون - من الوثنين يعنون بذلك المسلمين - قاتلهم الله -، وهذا تناقض في عقيدتهم، (فربهم موضوع في قبر؟!!!) أي رب هذا الذي يموت ويوضع في قبر (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) [الكهف: 5] ، (قاتلهم الله أنى يؤفكون) .

ونتيجة للظلام الذي كانت تعيش به الأمة، والإنحراف الذي بدأ على حكامها وعامة المسلمين، إستطاع الصليبيون أن يأخذوا كل فلسطين ولبنان حتى الإسكندرونة، وفي الجنوب امتدوا حتى الكرك والشوبك، وأصبح قسم كبير من ديار الشام تحت قبضة الصليبيين.

ولما دخل الصليبيون القدس، قتلوا سبعين ألف مسلم في يوم واحد، وغاصت خيولهم في دماء المسلمين إلى الركب. وأستمر إحتلال الصليبيين للقدس ما يقرب من تسعين سنة، وأستمرت الحروب الصليبية مائتي سنة، ولقد حاول الصليبيون مرارا أن يحتلوا مصر، قلب العالم الإسلامي العربي النابض. وكان يحكم مصر في أواخر الدولة الفاطمية الباطنية وزير يسمى شاور، الذي تحالف مع الصليبيين ضد صلاح الدين، كما فعل السادات ومبارك حذو النعل بالنعل، وأيضا كما تحالف فهد وحكام الخليج حينما تحالفوا مع الكفر بقيادة أمريكا الصليبية وأوروبا الصليبية الحاقدة، بالإضافة إلى الأسد ومبارك في حرب الخليج ضد الأمة (قاتلهم الله أنى يؤفكون) .

ولكن الله كان رحيما بهذه الأمة وهو دوما بها رحيم، فجاء نور الدين زنكي - رضي الله عنه -، فبدأ يوحد الإمارات المتنافرة في سوريا والعراق، فلما وحدها توفاه الله، وانتقلت الراية إلى صلاح الدين الأيوبي -رضي الله عنه-، فأكمل توحيد أجزاء الأمة وخصوصا مصر والشام، لأن مصر والشام قطبا الرحا في بلاد العرب والمسلمين، وقضى صلاح الدين على بقية الدولة الفاطمية في مصر وقتل شاور، بعد ذلك حدثت معركة حطين في شمال فلسطين، والتقى جيش المسلمين بستة وعشرين جيشا للصليبيين، فهزمهم الجيش الإسلامي، فسئل صلاح الدين:"كيف هزمت ستا وعشرين جيشا؟"فأخرج القرآن وقال:"قاتلت من أجل رب هذا الكتاب، فنصرني رب هذا الكتاب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت