وفي حديث آخر عن مصر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:""إذا فتحت عليكم مصر فأتخذوا منها جندا كثيفا، فإنهم خير جند الأرض"". لذلك حينما (كبر) جند مصر يوم اقتحام قناة السويس وخط بارليف في معركة (1973) كانوا يمثلون روح الجندية الإسلامية، وإستبسال الجندي المصري، الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه خير جند الأرض.
وها هي مصر مرة أخرى تعود لتحمل الإسلام وتقود المعركة في تحطيم الأصنام والعمل فيما أمر الله والإبتعاد عما نهى، يتغلغل الإسلام في كل شرائح المجتمع المصري، وكلما إرتفعت الشريحة ثقافة وعلما وفكرا كلما كان الإسلام فيها أوضح وأعمق.
لذلك فلننتظر دور مصر المأمول وجندها خير جند الأرض في أن تعود لتحرر فلسطين بعد أن تتحد مع الشام، لأن إتحاد مصر والشام دائما هو الذي يحرر الأقصى والقدس وفلسطين من الغزو الكافر.
الغيب في معركة القادسية
وفي نفس الوقت يرسل أبو بكر الجيوش لفتح العراق وفارس، ويعين المثنى بن الحارثة قائدا لهذه الجيوش، ويبدأ الفتح، ويستشهد المثنى، وينتقل أبو بكر - رضي الله عنه - إلى الرفيق الأعلى، ويتولى الأمر عمر، ويولي القيادة مكان المثنى إلى سعد بن أبي وقاص (أحد العشرة المبشرين بالجنة، وخال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من رمى بسهم في الإسلام، وأول من فداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيه وأمه وهو يقول له يوم أحد:""ارم سعد فداك أبي وأمي""، وهو الذي كان يفتخر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:""هذا سعد خالي فليرني أمرؤ خاله""وهو من أخواله وليس شقيقا لأمه) . ويسير سعد من نصر إلى نصر، حتى إذا كانت القادسية، وتتكرر العملية في القادسية كما كانت في اليرموك.
ثلاثون ألفا يقابلون مائتي ألف، مع جيش إمبراطوري مدرب، وتاريخ عسكري عريق، سيطر فيه الفرس على نصف الدنيا. ويجتاز جيش المسلمين نهر دجلة على الخيل، وكان سعد على فرس وبجانبه سلمان الفارسي على فرس أخرى، فقال سعد - رضي الله عنه:"لقد ذلل الله لهؤلاء البحر كما ذلل لهم البر"، فيجيبه سلمان - رضي الله عنه - فاهما السر في النصر:"مالم يعصوا"!!.
وقبل أن تبدأ القادسية بدأت الرسل بين سعد ورستم، قائد جيوش الفرس. فيرسل إليه سعد القائد ربعي بن عامر، فيدخل على رستم، ورستم في أبهة الملك وزخرف الدنيا، وسجاده الذي لم يعرفه العرب، فلا يملأ ذلك عيني ربعي بن عامر، ويدخل على مجلسه ويضرب السجاد برمحه ويبدأ بينهما حوار، وصورة العرب عند رستم أنهم جياع عراة صعاليك، لا بد أن الجوع جاء بهم، وأن اللباس الفاخر دفعهم لهذه المجازفة.
فيقول لربعي بن عامر:"إن كانت بلادكم في قحط، فنحن على استعداد أن نعطي كل جندي عندكم ما يشبعه، ونحظي قائدكم بالشيء الكثير، فلا يصيبنكم الغرور"، لأنكم تواجهون إمبراطورية لها تاريخ في العسكرية، وممارسة قهر الشعوب، لأننا نعرفكم في جميع الأحوال ومنها حال جوعكم وعريكم، فأرجعوا خيرا لكم.
فيجيبه ربعي بن عامر:"كنا كما قلت وأسوأ، حتى جاءنا نبي منا، لنا وللبشرية كلها، أمرنا أن نخرج من عبادة العباد والأوثان إلى عبادة الله، وأن نخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، ونترك فيكم من يعلمكم الإسلام، وإلا فالحكم بيننا للسيف". . وهكذا كان، وتنهار الإمبراطورية الفارسية.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أن ولد، اهتز إيوان كسرى في المدائن، وأطفئت نيران معابدهم (بعد أن بقيت مشتعلة لمدة ألف عام) وهذا إرهاص لهم بأن في الدنيا حدثا جديدا، ستتغير الدنيا فيما بعد يوم رسالته، ويوم أن بعث صلى الله عليه وسلم الرسالة إلى كسرى ومزق كسرى الرسالة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:""مزق الله ملكه، لا كسرى بعد اليوم"".. وفتحت القادسية بلاد المشرق حتى الهند وأسوار الصين.