الصفحة 26 من 80

التاريخي أن الأرض المباركة لها (رسالة) ، تصل الأمة إلى الحضيض يوم سقوط فلسطين بما فيها القدس والأقصى في أيدي الكفار، فتكون الأمة في منتهى إنحطاطها متفرقة، ممزقة الأوصال لا يجمعها الإسلام، تكون فيها الإمارات والمشيخات والحارات فيطمع بها عدوها. عندها تبدأ الأمة في حركة الصعود، لأن سقوط القدس والأقصى يهزها من أعماقها، فتنقشع الغشاوة عن أعينها، ويتفتت الرين عن قلوبها، وتأخذ في الصعود حتى تبلغ ذرى المجد مرة أخرى.

وهكذا كان في الحروب الصليبية، وفي حروب التتر وهو الآن في الحرب الصليبية اليهودية، فبعد خيانة (67) أصاب الأمة جمود فكري وسياسي، وأصبحت تعيش في فراغ عقائدي، بعد أن إنكشفت عفونة الفكر الوافد (المستورد) ولكن بعد بضع سنين أخذت الأمة تتحرك ببطىء، والإسلام يسري في عروقها وشبابها، بعد أن رأت أنها خدعت طويلا بالزعامة والزعيم وبالأحزاب وبحكام الهزيمة والسخيمة.

وبدأ في المجتمع سريان بطيء للصحوة الإسلامية، وكان لا يراها في عقد السبعينيات إلا من يهتم بها، فالمساجد بدأ يرتادها الشباب بأعداد كبيرة، والجامعات والمدارس بدأ تحول فكري فيها، وكنت أراقب بتتبع وأقول لأصحابي وتلاميذي:"إن أمرا في الأرض يجري، هو العودة إلى الله"، وهكذا بدأ الإسلام ينتشر، والصحوة تتصاعد في الطبقات المثقفة من المجتمع، أساتذة الجامعات، وخريجي الجامعات من مختلف التخصصات وخصوصا التخصصات العلمية من خريجي الغرب وأمريكا، فأصدر كارتر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الحين أمرا في أواخر السبعينيات بعد الثورة الإيرانية للمخابرات الأمريكية أن تدرس هذه الصحوة الإسلامية ولو على مستوى إمام مسجد في حي.

واليوم يتفجر العالم الإسلامي بالصحوة والخير قادم ودولة الإسلام آتية، والإسلام الذي فتح مصر يعود اليوم كأقوى ما يكون، فتوة وإنبعاثا واستشهادا وسيصل الأمر مداه ويسقط عملاء أمريكا ويهود للمكان اللائق بهم في مزبلة التاريخ.

ولما أبطأ عمرو بن العاص في فتح مصر، استغرب عمر بن الخطاب، لأن جيوش الإسلام منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عهد عمر والخلفاء الراشدين والأمويين وفي كل عصور التاريخ، لا تعرف الإبطاء في الفتح، لأنها لا تعتمد على قوتها المادية، وهم جند الله يقاتلون في سبيل الله، لرفع كلمة الله، ولتطهير البشرية من عبادة غير الله، فلا يمكن أن يبطأ عليهم الفتح، إذن لا بد من سبب يؤخر الفتح، فيكتب عمر هذه الرسالة إلى عمرو: (أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر، تقاتلونهم منذ سنين، وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكون غيرهم ما غيرهم، فإذا أتاك كتابي فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم ورغبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، مر الناس جميعا أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة فيها ووقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله ويسألوه النصر على عدوهم) [منتخب كنز العمال 2: 183] .

ونفهم من الرسالة مقاصد عمر، أن النصر بيد الله، إن الله لا يخذل قوما خرجوا في سبيله إبتغاء مرضاته، فإذا تغيرت النية من خروج لأجل الدنيا بدلا من الآخرة عند ذلك يبطيء النصر، ونلاحظ هنا أنه يتكلم عن الأربعة الذين أرسلهم لنجدة عمرو، وجعل الواحد منهم بألف، لأنهم جميعا من أهل بدر. فيخشى عليهم عمر أن يكونوا قد غيروا النوايا، وأصبح خروجهم لأجل الدنيا، وفي الرسالة يبين لنا عمر أن هناك ساعات يستجاب فيها الدعاء أكثر من غيرها ومنها وقت زوال الشمس يوم الجمعة.

وبالفعل نفذ عمرو وصية أمير المؤمنين، وفتحت مصر لتكون حبة العقد في العالم العربي والإسلامي عبر التاريخ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشر بفتحها، وقال:""ستفتح عليكم مصر، فأستوصوا بأهلها خيرا، فإن لكم فهيا نسبا وصهرا""إذ أن (ماريا القبطية) أم إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من مصر، وكذلك (هاجر) جدة النبي صلى الله عليه وسلم الأولى أم إسماعيل عليه السلام وزوجة إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من مصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت