الصفحة 25 من 80

الماء قد نفد منهم، فقال الدليل إبحثوا عن أصل شجرة في هذا المكان، فإن الماء عندها، فبحثوا طويلا حتى كادوا أن ييأسوا، وأخيرا وجدوها ووجدوا الماء عندها، شربوا وشربت جمالهم، وأنفكت أزمتهم). قال خالد لهذا الجندي الذي رأى الروم على كثرتهم:"بل ما أقل الروم وما أكثر المسلمين، إنما تقل الجند بالهزيمة وتكثر بالنصر"، وأختار خالد ستين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسمائهم، ممن حضروا بدرا وأحدا والغزوات والمواقع جميعها وممن ترضى الله عنهم بقرآنه وممن بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنة عرضها السماوات والأرض وممن لا يرد دعائهم، فيخوض بهؤلاء الستين المعركة، فيخترق جيوش الروم. ويغيبون طويلا فيشفق أبو عبيدة - رضي الله عنه - عليهم ويقول:"أهلك خالد أصحاب رسول الله"، ولكنه لا يلبث حتى يعود خالد والصحابة، فماذا كانت النتيجة؟؟. . قتل من الروم مائتا ألف، وغرق في النهر مائة ألف أخرى. وفتحت هذه المعركة التي إنتهت بها الدولة الرومانية كدولة عسكرية عظمى الأبواب لفتح فلسطين وكل بلاد الشام، ومصر وشمال أفريقيا وحتى بلاد الأندلس.

وكان من نتائجها أن يجتاز طارق بن زياد الممر (الذي سمي باسمه بين ضفتي أفريقيا وأوروبا) إلى إسبانيا بأربعة ألاف جندي موحد، فيفتح إسبانيا ويستمر حكم المسلمين لها ثمانية قرون، حتى أهلك المسلمين الترف، وعادوا قبائل، بعد أن وحدهم الإسلام، كان لا بد من سنة الله أن تأخذ فيهم مداها، فنكصوا على أعقابهم خاسرين، بعد أن فتحوا عقول أوروبا وخلصوها من الخرافة، لأن سنن الله في الكون لا يخرقها الله إلا لعباده المؤمنين، فإذا تساووا مع عدوهم في المعصية، كانت الغلبة لمن هو أكثر عددا وعدة وقوة ووحدة ولو كانوا غير مسلمين. إذ بفرقتهم وإختلافهم وترفهم وفجورهم عصوا الله وخالفوا أمر الله (وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) [آل عمران: 103] .. فلما خالفوا هذه القاعدة القرآنية، غضب الله عليهم، فخرجوا من الأندلس مذمومين مدحورين .. ولكن إلى حين.

الغيب في فتح مصر

ويقنع عمرو بن العاص، عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - بفتح مصر، فيأذن له عمر، فيسير بأربعة ألاف جندي، فلما وصل مصر أبطأ عليه الفتح، فأستنجد بعمر، فأمده بأربعة ألاف (تمام ثمانية ألاف) على كل ألف رجل منهم رجل يعد بألف رجل، وكتب إليه:"إني أمددتك بأربعة ألاف رجل على كل ألف رجل رجل، الرجل منهم بمقام ألف رجل: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد، وأعلم أن معك إثني عشر ألفا ولا تغلب اثنا عشر ألفا من قلة".

ليست قوتهم في القوة الجسدية فقط، إنهم بشر كالبشر، وفي البشر من هو أقوى منهم ومن هو أضعف، لكن قوتهم مستمدة من الغيب. فهم من كبار أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم، تتلمذوا في مدرسة الوحي وهم من أهل بدر الذين أنجدتهم الملائكة، وحضروا معارك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوتهم روحية بالإضافة إلى القوة الجسدية، إذا دعوا إستجاب لهم الله. ولذلك كان قواد جيوش الفتح حريصيين على أن يكون بين صفوفهم رجال ممن حضروا معركة بدر، والرسول صلى الله عليه وسلم قال في أهل بدر:""لعل الله تجلى على أهل بدر يوم بدر فقال: افعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم"".

وكلما إرتقى القائد أو الجندي المسلم بأشواقه الروحية وقربه من الله في تلاوة للقرآن وذكر دائم وإستغاثة مستمرة، لا يأخذه الغرور من عدد الجيش وعدته، وإنما يعلم أن النصر من عند الله، لذا هو يسجد بين يدي الله في الليل والنهار، ويستمطر رحمة الله، وكان هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه معه ومن بعده.

فلما حاولت الأمة أو بعض قادة الأمة أن يعتمدوا على شعاراتهم وكذبهم وخداعهم، وعلى أن تستمد الأمة قوتها من حزبها الذي أسس من أول يوم على غير تقوى من الله، دينه الإلحاد، وحقيقته الكذب والخداع، واعضاء الحزب يتربص بعضهم ببعض الدوائر، كل يريد أن يطيح بصاحبه ليحل محله، كان لا بد أن يهزموا (هذا إن هزموا) فكيف بهم وقد نفذوا مخططات عدوهم وهزموا أمتهم بغير هزيمة، وسلموا الأرض لعدوهم بغير قتال، إلا في الإذاعات وترديد الشعارات، هذا كله درس لنا، إننا إذا لم نلجأ إلى الله في المعركة، سنصاب بالهلاك والبوار، ولكن كل ذلك إلى حين. وقد بدأت الأمة في الصعود بعد النزول إلى الحضيض، لأنه يبدو من الإستقراء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت