يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون * وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) [البقرة: 8 - 12] .
فإن قلت للحكام وأعوانهم، وللأحزاب الكافرة وكوادرها من مختلف الأسماء والمسميات، لا تفسدوا في الأرض قالوا (إنما نحن مصلحون) أجاعوا الأمة وهم (مصلحون) ! .. أذلوا الأمة وهم (مصلحون) ! .. سلموا فلسطين وهم (مصلحون) ! .. مزقوا الأمة وهم (مصلحون) ! .. وعبدوا كل شيء إلا الله وهم (مصلحون) !!!.
وقد روي في تفسير الآية عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه -"لم تنزل هذه الآية في المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم لم يكونوا يزعمون الإصلاح، كانوا فقط يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولكنها نزلت في أقوام من هذه الأمة يبطنون الكفر ويزعمون الإصلاح سيأتون فيما بعد!!". وكأن هذه الآية تعني الحكام، والزعامات، والكتاب والصحفيين (المفكرين) الذين ضاعت هذه الأمة وفلسطين على أيديهم.
لا أنسى تلك الليلة من آخر رمضان قضيناه في القدس شهر (12/ 1966) وقد أحيينا ليلة القدر في الأقصى، وجلست إلى الناس أتحدث إليهم بعد صلاة التراويح، تكلمت عن الحركات السياسية والفكرية في المنطقة من الشيوعيين والبعثيين والعلمانيين إلى أن أتيت إلى الماسونية فقلت:"هي حركة يهودية سرية اقامها يهود بعد السبي البابلي، وأدخلوا فيها الملوك والأمراء والرؤساء والأغنياء، حتى يعملوا بواستطهم على إقامة دولة يهود، وقد أقاموها، وحتى يبنوا الهيكل مكان هذا المسجد، وبما أن أكثر حكام العالم العربي من الماسونيين فسيسلمون الأقصى ليس خيانة فقط، ولكن سيسلمونه لأن عقيدتهم الماسونية تأمرهم بذلك". وهذا الكلام كان قبل تسليم الأقصى بخمسة أشهر، وبالفعل حين أخذ يهود بقية القدس وبقية فلسطين، أرسل محفل ماسوني في أمريكا رسالة إلى الشيخ المرحوم حلمي المحتسب، وكان رئيسا للهيئة الإسلامية في القدس، يعرض عليه أن يسمح المسلمون للماسونيين في بناء اليهكل في ساحات الأقصى مقابل (150) مليون دولارا دفعة أولى، ودخل (15) مليون دولارا سنويا للأوقاف، وقال رئيس المحفل الماسوني:"إني قادم على الطريق لأفاوضكم بهذا الأمر"، وبالفعل حضر هذا الماسوني، فأفهمه الشيخ حلمي أنه ليس لأحد الحق في التصرف بالأقصى، فهو للمسلمين جميعا، وقال رئيس المحفل الماسوني للشيخ حلمي:"إن أردت موافقة بعض الحكام (العرب) أتيت لك بها".
ولقد رأيت بأم عيني قائد الضفة الغربية في محافظة القدس بيده خاتم وعليه الشعار الماسوني (الفرجار والمثلث) .. وهكذا كان، سلم الماسونيون الأقصى.
ونعود إلى أول الطريق، إلى قرون النصر، ولنرى كيف تغلغل الإيمان في صدور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الإيمان الذي صنع المعجزات والكرامات.
الغيب في معركة اليرموك
وهكذا سار الغيب مع المسلمين بعد رسول الله، حتى كانت معركة اليرموك، جمعت الدولة الرومانية ألف ألف جندي - أي مليون جندي - فيهم سبعة ملوك، ومن بينهم ملك الأرمن، وفيهم مائتا ألف من نصارى العرب - كما يقول الواقدي صاحب (فتوح الشام) -، وفي المقابل كان عدد جيش المسلمين ثلاثين ألفا من الموحدين، فأستنجد أبو عبيدة بالخليفة في المدينة ليرسل له مددا، فأرسل له الخليفة ستة ألاف من أهل اليمن.
ولا يستطيع أي عقل مادي أن يحلل هذه المعركة بقياساته المادية البحتة، حيث أن عدد الجيوش وعدتها غير متكافئة، فجيش الإمبراطورية الرومانية ذات التاريخ العريق في الفنون العسكرية والتي هزمت قبل بضع سنين جيوش الإمبراطورية الفارسية، لا بد وأن لديهم من الأسلحة والتقنيات ما لا يعرفه العرب المسلمون الذين لا تاريخ عسكري عندهم ولا فنون ولا أسلحة إلا ما كان من السيف أو الرمح أو القوس أو النشاب.
ويقول أحد جنود المسلمين:"ما أكثر الروم وأقل المسلمين"، فيجيبه خالد بن الوليد - رضي الله عنه - (الذي جاء حديثا من العراق على رأس خمسمائة جندي، إجتاز بهم بادية الشام برعاية الله، حتى إذا ما وصلوا الأزرق وكان