الصفحة 23 من 80

فصلينا الظهر، ووضعت يدي على كتفه فقلت:"يا شيخ إبراهيم صل صلاة مودع لهذا المسجد فإنك لن تعود". يذكر الشيخ إبراهيم هذه الحادثة بين الحين والحين في دروسه. وكان قد أستولى علي شعور بأني أودع الأقصى، فكنت أرسمه في ذهني، أتطلع إلى معالمه وإلى جدرانه، وأقول في نفسي:"غدا سأذكر هذه وهذه. . وهذه"، فلما قابلني محمد رسول في أحد شوارع عمان بعد الهزيمة قال:"أنت قلت لأخي الشيخ إبراهيم صل صلاة مودع لهذا المسجد فإنك لن تعود:، قال لي:"كيف علمت ذلك؟!".. فقلت له بإنفعال:"والله لو نصرتم لكان القرآن من عند غير الله، كيف تنتصرون؟ ولم تنتصرون!!؟. الحكومات إهترأت، والشعوب اهترأت على أيديها، والمقدمات أعطت النتائج، والذي صار كان لا يمكن إلا أن يصير، وكنت أعرف أنكم مهزومون لا محالة، ولكن الذي لم يدر في خلدي ولا سجل في دفتري هو أنكم (ستهزمون) في ساعتين إثنتين فقط، لا في ست سنوات، ولا ستة أشهر، ولا ستة أيام، إذن الأيام الستة التي سميت بها هذه الحرب، هي من باب التضليل أيضا". ثم قلت له:"إني غير يائس، وسيخرج الجوهر قريبا من هذه الأمة، فتقاتل في سبيل الله، لا في سبيل قومية أو إشتراكية، ولا رأسمالية ولا شرق ولا غرب، وعند ذلك سيأتي النصر"."

وأشاع محمد رسول الكلمة في الأوساط السياسية، بأني قلت لو انتصر العرب في هذه الحرب لكان القرآن من عند غير الله، وجاء الأمير سلطان بن عبد العزيز، ليتفقد القوات السعودية (المظفرة) (التي احتلت معان والكرك) وأقام له السفير السعودي في ذلك الوقت أحمد الكحيمي حفل عشاء، وكنت حاضرا لذلك الحفل، وكان في مجلسه في تلك الحفلة عدد من السياسيين من بينهم وصفي التل، فقال وصفي التل:"إن هناك شيخا عندنا في الأردن يدعى الشيخ أسعد التميمي يقول:"لو نصر العرب في هذه الحرب لكان القرآن من عند غير الله"، فقال له السفير الكحيمي:"إنه موجود في الحفلة"، وجاء وأخذني إلى مجلس الأمير، فقام وسلم وقال الأمير:"كيف لو انتصر العرب لكان القرآن من عند غير الله؟!!". فقلت له:"يا سيدي إن القرآن وضع شروطا معينة للنصر، لا تنطبق عليكم". فقال الأمير:"المسؤول عبد الناصر؟"، فقلت له:"والله إني لأعرف عبد الناصر حقيقة المعرفة، ولكن ليس هو وحده المسؤول، وكلكم مشتركون في الجريمة، ولكنه كبيركم الذي علمكم السحر".. وكان في مجلس الأمير أيضا المشير حابس المجالي (قائد الجيش العربي) ، فألتفت إليه ووضعت يدي على رأسه وقلت:"أسألك بالصلاة على الرسول هل أنتم أهل للنصر؟"، فقال:"لا"، فألتفت إلى الأمير وقلت هذا قائدهم")) .

وكنت في الأقصى أحذر من النكبة في درس أسبوعي، وأحذر الأمة من الذي سيحدث، وخصوصا تحدي الله كان في أوجه، ففي المؤتمر الأول لمنظمة التحرير الذي عقد في القدس سنة 1964، وهم يضعون بما يسمى بالميثاق الفلسطيني، قالوا إن المسؤولين عن تحرير فلسطين هم الفلسطينيون والعرب، فقام واحد من المؤتمر وقال"أضيفوا المسلمين أيضا"، فقامت أصوات الحمير تنهق:"هذه رجعية"وبعد نقاش حاد عرضوا الأمر على التصويت، فالذين يريدون المسلمين حصلوا على (151) صوتا، والذين لا يريدون المسلمين حصلوا على (162) صوتا، (فسقط الإسلام) حسب زعمهم على جبل الزيتون. وأصابتني رعدة وأثارت أعصابي، وتمنيت أن يكون غدا الجمعة لأقول كلمتي في الأقصى، وكنت أهاجم المؤتمر والمؤتمرين في كل لحظة، لأنني تصورت غضب الله على هؤلاء القوم وأنهم سيشردون بقية أهل فلسطين في هذا القرار الكافر الجائر.

وجاء يوم الجمعة، فوقفت بعد الصلاة، وكان مندوبوا الملوك والرؤساء قد جاءوا إلى الأقصى ليصلوا الصلاة التقليدية، والتي تكون غالبا بغير وضوء، إذ أن الصلاة لا تليق بهؤلاء الذين صنعوا الهزائم والسخائم لأمتهم، وكان عدد هؤلاء المندوبين ثلاثة عشر مندوبا لا أكثر الله من عددهم، فوقفت في الأقصى بعد الصلاة أقول: (( ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، يا أخوتنا في الباكستان، يا أخوتنا في أفغانستان، يا أخوتنا في تركيا، يا أخوتنا في نيجيريا .. أيها المسلمون في كل الأرض .. لا تؤاخذونا بما فعل السفهاء منا، يا صلاح الدين وأنت الكردي، أطل من وراء القرون لتر ما فعل الصبية على جبل الزيتون، لقد رقص البابا طربا على قرار الصبية ليلة أمس، وأبشركم بذهاب البقية من(فلسطين) بسبب غضب الله، والتي لولا الإسلام لما كانت فلسطين عربية. لكنه العمى أصاب العيون وأصم الآذان وأغلق القلوب وكما قال الله تعالى (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم) [البقرة: 7] )).

وكانت أيام فيها البلاء سيطر فيها الكفر، ضلت الزعامة وضلت الشعوب إلا من رحم ربك وقليل ما هم .. وكما قال الله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت