الصفحة 22 من 80

وكان في إرسال الجيش معنى كبير، أثر في المرتدين، إذ لو ظهر المسلمون في حالة ضعف لطمع فيهم المرتدون. وهناك صورة أخرى للردة، بعض الذين إرتدوا من العرب رفضوا أن يدفعوا الزكاة، فارسل الصحابة عمر إلى أبي بكر ليطلب منه عدم مقاتلة الذين اعترفوا بالإسلام ما عدا الزكاة، فقال له:"ويلك يا ابن الخطاب أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام، والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه". . إنه الإيمان بالله وبالغيب، ويدخل أبو بكر في معارك في طول الجزيرة العربية وعرضها، يطارد المرتدين حتى إستقر الأمر للإسلام، لا بكثرة عدد ولا عدة، ولكن بفيض من الإيمان وطلب الجنة والشهادة.

ويبدأ أبو بكر بعد أن استقر الأمر، وقضى على الردة في مهدها، في تبليغ الرسالة، وتأدية الأمانة، فيرسل الجيوش إلى الدولة الرومانية، ويعين أربعة من القادة: يزيد بن أبي سفيان: البلقاء، وعمرو بن العاص: فلسطين، وشرحبيل بن حسنة: الأردن وأبو عبيدة عامر بن الجراح: قائدا عاما لجيوش الإسلام. ويرسل إلى الدولة الفارسية جيوشا أخرى بقيادة المثنى بن الحارثة ومن ضمن قادته خالد بن الوليد. فكان منطق السياسة والإعتماد على القوى المادية، إن كانت هي المعتمدة في المعركة، أن لا يهاجم الدولتين العظميين في آن واحد، وأن يبدأ بواحدة منهما حتى إذا ما إنتهى منها بدأ بالأخرى.

لكن الصحابة -رضي الله عنهم - وأبو بكر على رأسهم، فهموا السر وعرفوا الحقيقة، إنهم لم ينتصروا قط بكثرة جيوشهم، وإنما النصر من عند الله (لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فأتقوا الله لعلكم تشكرون) [آل عمران:123] ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديثه"نصرت بالرعب من مسيرة شهر"فهذا للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين من بعده، ولكن أي مسلمين؟! ليسوا من هؤلاء الأعراب الذين يقول الله فيهم (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من عملكم شيئا إن الله غفور رحيم) [الحجرات: 14] .. إذن من هم المؤمنون؟!! هم الذين قال فيهم الله بعدها مباشرة (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) [الحجرات: 15] .

ليسوا بعثيين، ولا شيوعيين، ولا علمانيين، ولا ماسونيين، ولا متبطلين من هؤلاء الصوفيه الغلاة، الذين لا يقولون بالجهاد، ولا من هذه الحركات المشبوهة التي تحرم الجهاد، ولا من هذه الحركات التي تنظر إلى الإسلام على أنه نظام اقتصادي أفضل من الأنظمة الأخرى يشبع المعدة، والذين لا يقولون بالجهاد إلا من وراء خليفة مخالفين قول الله تعالى (فقاتل في سبيل الله لا تلكف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا) [النساء: 84] ، ومخالفين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم""الجهاد ماض إلى يوم القيامة، لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر، وإذا أستنفرتم فأنفروا""، ولكن هذه الفئات المختلفة، منها من يريد النصر بغير الله وما كان لها أن تنتصر .. ولو انتصر العرب في معركة 1967 ما عبد الله في الأرض، ولنسب النصر إلى البشر والزعامات وحكام المعصية، وأحزاب الإلحاد، ولكن الله كان رؤوفا بعباده ودينه فهزمهم شر هزيمة، ولم يهزمهم يهود، لكون يهود ممنوعين من النصر لأن النصر عزة والعزة ممنوعة على يهود ليوم الدين فما كان لهم أن ينتصروا (لن يضروكم إلا اذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون) [آل عمران: 111] .

والذي حدث في عام 1967 لم يحدث في تاريخ البشرية، ثلاثة ملايين من البشر (يغلبون) (150) مليونا من العرب إنه لأمر يثير الدهشة والعجب، هنا أروي قصة: (( حدثت(الهزيمة) وأنا في بيروت في مهمة رسمية، حيث كنت مديرا لدار الأيتام في القدس، فذهبنا نشتري ورقا لمطبعة دار الأيتام من السوق الحرة في بيروت، وبعد ذلك حضرت إلى عمان ثالث يوم (التسليم) ، وبينما أنا سائر في أحد شوارع عمان الرئيسة، التقيت بمدير المخابرات في ذلك الحين محمد رسول زيد الكيلاني فقال:"أنت قلت لأخي أبراهيم في القدس قبل أسبوع وأنتم في الأقصى، صل صلاة مودع لهذا المسجد فإنك لن تعود"، وكان الشيخ إبراهيم زيد الكيلاني قد زارني في القدس، وكان مسؤولا عن الأحاديث الدينية في الإذاعة، فأراد أن يسجل لي حديثا، وكانت أجواء الحرب تسيطر على المنطقة، وكان عبد الناصر قد سحب البوليس الدولي من سيناء، تمهيدا لما حدث لإحتلال بقية فلسطين وسيناء كلها والجولان. فلما بدأ الشيخ إبراهيم في تسجيل الحديث، قلت له:"يا شيخ إبراهيم، والله لا تنتصر هذه الأمة لا على أيدي الثوريين ولا على أيدي الرجعيين، هي مهزومة لا محالة، لإنها أمة لا تحارب بعقيدتها، وقد أعلنت الحرب على ربها"، فقال:"هذا كلام لا يمكن أن يذاع". فقلت:"سجله للتاريخ". فنزلنا إلى الأقصى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت