الغيب في معركة مؤتة
ويستمر الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته إلى العالم بعد أن دانت له الجزيرة العربية (الحجاز، نجد، واليمن) ، فيقرر أن يخرج إلى تخوم بلاد الشام أرض مؤتة في الكرك، لطرق أبواب الدولة الرومانية، ليعلمهم أنه قد أرسل إلى الناس كافة، ويسير برعاية الله يرسل جيشا قوامه ثلاثة ألاف رجل، ويعين لهذا الجيش ثلاثة من القادة لأول مرة في معركة من المعارك قال:""الأمير القائد زيد بن حارثة، فإن أستشهد فالأمير جعفر بن أبي طالب، فإن إستشهد فالأمير عبدالله بن رواحة""- رضي الله عنهم جميعا - ويخرج الجيش ليلتقي بجيش الروم وعدده مائتا ألف، مائة ألف من الروم ومائة ألف من العرب المتنصرة، لا تكافؤ في عدد ولا عدة، ولكنه تمرين عسكري لطرق أبواب الدولة الرومانية، وليعلمهم أن هذا الدين الذي جاء لإنقاذ العالمين قادم عليكم لا محالة، ويستشهد زيد بن حارثة - رضي الله عنه -، فيأخذ الراية جعفر بن أبي طالب بيمينه فتقطع، فيأخذها بيساره فتقطع، فيضعها بين عضديه حتى إستشهد، ويتردد عبدالله بن رواحة في أخذ الراية بعض التردد، فيجزر نفسه ويقول لها:"يا نفس أمن الجنة تفرين"وكان الرسول صلى الله عليه وسلم على اتصال مباشر مع المعركة عبر الوحي فقال لهم:""إستشهد زيد بن حارثة، فأخذ الراية جعفر وقطعت يداه، فأبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة - ومن هنا سمي جعفر الطيار - واستشهد عبدالله بن رواحة، وقد رأيت الثلاثة على سرر من ذهب في الجنة، وفي سرير عبدالله بن رواحة ازورار - أي انخفاض - عن صاحبيه لأنهم أقدموا وتردد"".
ويجمع المسلمون في المعركة على (خالد بن الوليد) ، فيعطونه الإمارة، فيناور ويتكتك - كما يقولون - حتى إنسحب من المعركة بمهارة عسكرية فائقة، فلما وصل الجيش المدينة قابله المسلمون بغير ترحاب وهم يقولون لهم أنتم الفرار، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم دافع عنهم وهو يقول:" بل الكرار بإذن الله"".. وتؤدي هذه المعركة رسالتها في جرح معنويات الإمبراطورية الرومانية، فما كانت تتصور أن هؤلاء العرب، يمكن أن يهاجموها في عرينها."
الغيب في غزوة تبوك
فيقرر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج مرة أخرى إلى حدود بلاد الشام، وهذه المرة بنفسه قرر أن يخرج إلى تبوك في شدة الحر (شهر آب) ، حيث لا ماء ولا ظل في أرض تلتهب حجارتها، والإنسان أحوج ما يكون إلى ظل ظليل، أو إلى ماء بارد يمنع عنه شدة العطش، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج في هذه الحالة، ليجري التمرين الأخير للجيش الإسلامي الذي سيتولى تحطيم الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية فيما بعد.
ويصل إلى تبوك بجيش قوامه ثلاثون ألفا، في شح من الماء، فلما شكا المسلمون من العطش وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه في الرمل، فنبع الماء من بين أصابعه فشرب الجيش، وأخذ ما يحتاجه من الماء للغسيل أو الطهي، وأرسل وفدا إلى معان، وآخر إلى أيلة - العقبة - ويأتيه صاحب معان وصاحب أيلة، ويعطيهما الأمان ويكتب لهما كتبا بذلك مقابل دفع الجزية، ويخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن تبوك أنها ستصبح جنات وأنهارا فيقول:""كيف أنتم وقد عادت تبوك جنات وأنهارا""وهي اليوم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم. . إنه الغيب.
وكانت سحابة قد مرت فأمطرت الجيش، فقال المسلمون معجزة لرسول الله من الله، وقال الذين في قلوبهم مرض سحابة صيف مارة. وتخلف أقوام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلحقوا به في المعركة، فمنهم من كان مؤمنا لكنه آثر الدعة والراحة، فلما رجع رسول الله كانوا صادقين معه فلم يختلقوا الأعذار، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم حتى ينزل فيهم الوحي، وأستمرت المقاطعة خمسين ليلة ثم صدر العفو الرباني عنهم وقبول توبتهم (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إنه هو التواب الرحيم) [التوبه: 118] .
وأما المنافقون الذين اعتذروا بأعذار واهية فلم تقبل توبتهم، لأنهم حاولوا خداع الله ورسوله. . وأمثالهم اليوم الذين ينادون بالصلح مع يهود حرصا على حياة الدنيا، وخوفا من أن تدمر قصورهم وبيوتهم وأموالهم، فيدعون إلى (العقلانية والواقعية) ، فيسجل الله الموقف لأولئك القوم ولكل متردد أو خائف أو منافق عبر التاريخ في هذه