والذي وضح هذا المعنى وهو عدم إنتصار (يهود في أي حرب) مع المسلمين أو غيرهم آية في سورة آل عمران (لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون * ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) [آل عمران: 111 - 112] . والكثرة الضالة كما بينا سابقا لا تنتصر ولكن النصر يكون للفئة المؤمنة ولو كانت قليلة، ويقرر الله ذلك في آياته فيقول (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) [البقرة: 249] ، (ثلة من الأولين * وقليل من الأخرين) [الواقعة: 13 - 14] ، (وثلة من الأولين * وثلة من الأخرين) [الواقعة: 39 - 40] .. والقلة قد تتقلص إلى رجل واحد مؤمن من أولياء الله، يدعو فيستجيب له الله، ويهييء الله بسبب دعائه أسباب النصر. ولذلك كان قادة الفتح الإسلامي الأول يحرصون على أن يكون في جيوشهم عدد من أصحاب معركة بدر، لأنهم مستجابو الدعاء، وقال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم:""لعل الله تجلى على أهل بدر يوم بدر وقال إفعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم""، والحديث""رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره"".
المسلمون عبر تاريخهم كانت القلة هي التي تنتصر، لكن أي قلة؟ قلة متصلة بربها، في صلاة، وصيام، وزكاة وحج، وفي نوافل يتقرب بها العبد إلى الله، وتلاوة قرآن في الليل والنهار، وفي ذكر وتسبيح والذي يكون أشد ما يكون إليه العبد وهو في المعركة حتى يأخذ المدد من الله، فيثبته ويقويه (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا وأذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وأصبروا إن الله مع الصابرين) [الأنفال: 45 - 46] .. وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم""ما تقرب إلي عبدي بأفضل مما أفترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، فبي يبصر، وبي يسمع، وبي يبطش، وبي يمشي، ولإن استعاذني، لأعيذنه، ولأن استنصرني لأنصرنه"".
هذه النوعية من المؤمنين التي تنتصر، رهبان في الليل فرسان في النهار، وفي الحديث " أن الله ينزل إلى سماء الدنيا - والله أعلم كيف ينزل - في الثلث الأخير من الليل، فيقول:""هل من مستغيث فأغيثه، وهل من داع فأستجيب له وهل من مستغفر فأغفر له""."
جند المعركة الإسلامية المنتصرون عبر التاريخ، هم الذين يأكلون الحلال، ويشربون الحلال، ويلبسون الحلال، فتنموا أجسامهم من الحلال ويتجنبون الحرام ما أمكن، فلا يدخل جوفهم مال من ربا أو غش أو قمار أو سرقة أو رشوة أو خيانة إلى غير ذلك من الحرام، وعند ذلك يصدق قوله تعالى (إن تنصروا الله ينصركم) فنصر الله هو تنفيذ لأحكامه يقوم بها المسلم والأمة منها ما يتعلق بعلاقة الفرد مع ربه من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وتسبيح وتهليل (يا أيها الذين آمنوا إذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا) [الأحزاب: 41 - 42] . فما كان الله لينصر قوما لا يؤمنون به، ويرتكبون المعاصي، ويتبجحون بعد ذلك بأنهم مسلمون، كتب عمر بن الخطاب رسالة إلى سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهما - بعد أن ولاه العراق وقيادة معركة القادسية، يقول له:""يا سعد سعد بني وهيب، لا يغرنك أن قيل خال رسول الله - لكون سعد من بني زهرة أخوال النبي، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يفتخر به:"هذا سعد خالي فليرني امرؤ خاله"- إن الله لا يمحو السيْء بالسيء، ولكن يمح السيء بالحسن، إياك أنت وجنودك من المعصية، فإنما تنتصرون على عدوكم بمعصيتهم لله ومخافتكم أنتم له، فإذا تساويتم مع عدوكم في المعصية لم يكن الله مع أحد الطرفين، وكانت الغلبة لمن هو أكثر عددا وأكثر عدة، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلا يسلط علينا، فربما سلط قوم على من هو شر منهم، كما سلط الله نبوخذ نصر على بني إسرائيل"".
ومنها ما يتعلق بعلاقة الفرد مع الدولة، من الأحكام التي لا تستطيع تطبيقها إلا الدولة من أحكام إدارة شؤون الناس والجهاد، والقضاء، والعقوبات إلى غير ذلك من الأحكام. كذلك ما يتعلق بعلاقة الفرد مع مجتمعه من الأخلاق الحميدة التي دعا إليها الإسلام، عند ذلك يأتي نصر الله (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) [غافر: 51] .