ومما ينبغي أن نذكره في هذا المقام: أن العفو ليس ذُلًا ولا مهانةً ، ولا عَجْزًا أو خَوَرًَا ، ولكنه عزّ وقوة للإنسان ، ورجولةٌ وشجاعةُ نفسٍ ؛ فمن يعفو عن الخطأ ويتجاوز عن الذنب: أصبح بذلك قويًا شديدًا ، حيث ضبط نفسه لئلا يستخفَّه الغضب ، وأصبح عزيزًا بعفوه ، لأنه أكرم من غيره ، وقد استطاع أن يرتفع إلى ذلك الأفق المشرق الوضيء ، وإلى ذلك المستوى العالي النظيف ، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا ) (1)
وبعد ؛ فإن العفو مظهر من مظاهر الصحة النفسية واستقامتها ، بما فيه من محبة وأُلفةٍ ، وخيرٍ وإحسان ، وجهادٍ للنفس على الرفق والتسامي والاستعلاء . وبما فيه من معالجة للعدوان بالصفح الجميل ، والردِّ على الإفراط والتفريط بالاعتدال والاستقامة على الطريق .
المبحث الثالث: الأمور القولية والفعلية المذهبة للغضب في ضوء السنة
أولًا: الأمور القولية: هناك أقوال أرشد إليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها ويؤديها متى ما تعرض للغضب ومنها:
01 لزوم الغاضب الصمت فلا يتكلم حتى لا ينطق بما قد يندم عليه بعد زوال غضبه كما جاء ذلك عند ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (علموا وبشروا ولا تعسروا وإذا غضب أحدكم فليسكت) . (2)
02 الاستعاذة بالله سبحانه من الشيطان الرجيم كما جاء في حديث سليمان بن صرد قال:"استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد أحمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد ، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لست بمجنون (3) "
(1) سبق ذكره ص 32
(2) رواه أحمد والترمذي
(3) سبق ذكره ص 18