والصفح من الصَّفُوحُ وهو من صفات الله عز وجل، فمعناه العَفُوُّ؛ يقال:صَفَحْتُ عن ذنب فلان وأَعرضت عنه فلم أُؤَاخذْه به؛ وضربت عن فلان صَفْحًا إِذا أَعرضت عنه وتركته (1) ؛ فالصَّفُوحُ في صفة الله: العَفُوُّ عن ذنوب العباد مُعْرِضًا عن مجازاتهم بالعقوبة تَكرُّمًا. وفي حديث عائشة تصف أَباها: صَفُوحُ عن الجاهلين أَي الصَّفْح والعفوِ والتَّجاوُزِ عنهم؛ وأَصله من الإِعراض بصَفْحَه وجهه كأَنه أَعرض بوجهه عن ذنبه.
ولقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم غاية الحلم والصفح والعفو والسنة النبوية حافله بمواقف الرسول الكريم في هذا الباب ومن ذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عن الأصدقاء ؛ أن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بعث كتابًا لكفار قريش يخبرهم فيه بعزم النبيِّ صلى الله عليه وسلم على المسير إليهم لفتح مكة لما نقض أهلُها العهد ... فأطلع اللّه تعالى نبيَّه على ذلك ، فبعث من أخذ الكتاب ، وقال لحاطب:"يا حاطب ماهذا ؟ فقال حاطب: لا تعجلْ عليَّ ! إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش ، ولم أكن من أَنْفُسهم ، وكان مَنْ معك مِن المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة ، فأحببتُ إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتَّخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي ، وما فعلتُ ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه صدقكم ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني أضربْ عُنُقَ هذا المنافق! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه قد شهد بدرًا ، وما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) (2) "
(1) لسان العرب لابن منظور
(2) أخرجه البخاري في باب: الجاسوس.رقم الحديث 2845 ومسلم في باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم، وقصة حاطب بن أبي بلتعة , رقم الحديث2494.