الحال الثالثة: وهي الغضب الخفيف ، وهو الذي يحصل منه تكدر من الزوج ، وكراهة لما وقع من المرأة ، ولكنه لم يشتد معه شدة كثيرة تمنعه من التعقل ، والنظر لنفسه ، بل هو غضب عادي خفيف فهذا يقع منه الطلاق عند جميع أهل العلم . هذا هو الصواب في مسألة طلاق الغضبان ، بهذا التفصيل ، كما حرر ذلك ابن تيمية وابن القيم رحمة الله عليهما في كتابه إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان. ومن دلالة السنة أيضًا ما رواه احمد والحاكم في مستدركه من حديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين( , وهو حديث صحيح له طرق .ووجه الاستدلال به انه الغي وجوب الوفاء بالنذر إذا كان في حال بالغضب مع أن الله سبحانه وتعالى أثنى على الموفين بالنذور وأمر النبي الناذر لطاعة الله بالوفاء بنذره وقال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه , وترتب الكفارة عليه لا يدل على ترتب موجبه ومقتضاه عليه والكفارة لا تستلزم التكليف ولهذا تجب في مال الصبي والمجنون إذا قتلا صيدا أو غيره وتجب على قاتل الصيد ناسيا أو مخطئا وتجب على من وطئ في نهار رمضان ناسيا عند الأكثرين فلا يلزم من ترتب الكفارة اعتبار كلام الغضبان وهذا هو الذي يسميه الشافعي نذر الغلق ومنصوصه عدم وجوب الوفاء به إذا حلف به بل يخير بينه وبين الكفارة(1) , و كتب أبو بكرة إلى ابنه، بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان,فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقضينَّ حكم بين اثنين وهو غضبان) . (2) قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-"إن الفقهاء اختلفوا في صحة حكم الحاكم في الغضب على ثلاثة أقوال وهي ثلاثة أوجه في مذهب احمد: أحدها: لا يصح و لا ينفذ ؛ لأن النهي يقتضي"
(1) ابن القيم في إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان
(2) رواه البخاري باب: هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان , (6739) .ومسلم باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان (1717) .