لما كان لا بد من أذية الجاهل وسفاهته، أمر الله تعالى أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابليتهِ بجهلهِ . فمن آذاك بقوله أو بفعله لا تؤذه، ومن حرمك لا تحرمه، ومن قطعك فصله ومن ظلمك فاعدل فيه . . فالأمر هو الإعراض عن الجاهل مع إقامة حق الله عليه وعدم الانتقام لنفسه . ولما كان الإنسان لا بد أن يغفل وينال منه الشيطان الذي لا يزال مرابطا ينظر غرته وغفلته ليستعمل أسلحته في إهاجة الغضب أكثر ليركبه كيف يشاء، فيوسوس له أن سكوتك عجز منك ومهانة وذلة، ولو تركته لتجرأ عليك وتعود على إهانتك، فلا بد أن تؤدبة، وتوقفه عند حده، وتعرفه قدره . . . إلخ من أجل هذا، أمر الله بالاستعاذة منه في هذا الموطن، والعلم بأن الله يسمع ما قيل لك وما ستقوله، ويعلم ما فُعل بك وما ستفعله، ويعلم نيتك وضعفك وقوة التجائك له، فسيحميك من فتنته ويقيك من وسوسته،وحينئذ يتذكر المؤمن التقى أن ما يدور في نفسه من شر، ما هو إلا طائف من الشيطان ومن ثم يستغفر وستعيذ ويرى الأمر على حقيقته وأنه كان على وشك السقوط في شرك الشيطان، وهذا بخلاف الغاوين الذين تتلاعب بهم الشياطين ولا يدخرون وسعا في إغوائهم ولا يقفون معهم عند حد، ففي حالة الغضب حدث ولا حرج عما يصدر منهم من الأقوال والأفعال .
ولذلك ينبغي للمؤمن أن يسلك سبيل المتقين وإلا وقع في سبيل الغاوين (وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون) مزيد بيان في الصفحة الأخيرة .
المؤمنون (أدفع بالتى هي أحسن السيئة نحن اعلم بما يصفون *وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون)
فالمسيء من الإنس يقابل الإحسان كما سبق، ولكن الشياطين تتربص حتى لا ينال المؤمن هذه الدرجة، لذلك بعد الأمر بمقابلة الإساءة بالإحسان جاء الأمر بالتعوذ من همزات الشياطين . والهمز دفع بنخز (بنخس) وغمزٍ يشبه الطعن، فالهمزات هي دفع الوساوس والإغواء إلى القلب بشكل مفاجئ . وإذا حضرت الشياطين واقتربت، لم تكتفِ بالهمز للمؤمن وإنما استفزت المسيء وأجلبت عليه من كل طريق حتى يتطور الغضب إلى جميع الشر من السب واللعن والقذف والفحش والقتال وما شابه . وكذلك حضور الشياطين عند قراءة القرآن ، وساعة الموت وغير ذلك في جميع الأمور، والشيطان يَعِزُ للحشرات والهَوَام ليشغل بها المؤمن ويؤذيه إن استطاع، ويغرى السفهاء والفجرة والظلمة بالمؤمنين، وهكذا يستعيذ المؤمن من شر همزاته، ومن شر حضوره واقترابه .