فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 24

وقال تعالى (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) والمغفرة هي قطع العقوبة ووقاية الإنسان من شر إساءته، فيكون المعنى: والذين إذا أهاجهم الغضب ملكوا أنفسهم فلم يعاقبوا بقول أو فعل . قال السعدي (أي تخلقوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعة حتى إذا أغضبهم أحد بمقالة أو فعالة كظموا ذلك الغضب فلم ينفذوه، بل غفروه ولم يقابلوا لمسيء إلا بالإحسان والعفو والصفح، فترتب على هذا العفو والصفح من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير كما قال تعالى(أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم . وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) فلا يقدر على مقابلة الإساءة بالإحسان إلا بالصبر لأن الخفيف الطائش لا يصبر على ذلك، إن تدور المعركة بين النفس الغضبية وبين القلب، والغضب مركب الشيطان فتصبح النفس الغضبية والشيطان في تعاون ضد القلب العامر بالإيمان والتوكل، فلا سلطان للشيطان عليه (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) ثم يأتي مدد الصبر الذي يكون النصر معه، فيفوز الإنسان بالحظ العظيم: إذا ينال ذلك كف شر عدوة وانقلابه صديقا، ومحبة الناس له، وثناءهم عليه، وقهر هواه، وسلامة قلبه من الغل والحقد، وطمأنينة الناس ـ حتى عدوه ـ إليه، هذا غير ما يناله من كرامة الله وحسن ثوابه ورضاه عنه، وهذا غاية الحظ عاجلًا وآجلًا . وحسبنا ما علمنا من إكرام الله لموسى عليه السلام لشدة غضبه في الله وتركه الغضب لنفسه حيث اصطفاه على الناس برسالاته وبكلامه، وتجاوز له مالا يتجاوز لغيره لما ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه بجرة إليه، ولما قَتل الذي من عدوه، ولما اعترض على تجاوز النبى له ليلة المعراج، ولما علم أن تابِعَه أكثر من تَاِبعَه، وغير ذلك من المواقف . وأخيرًا يرغبنا الرسول صلى الله عليه وسلم في كظم الغيظ فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ جَرْعَةً أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى) رواه أحمد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت