فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 24

معرفة النفس وأنها لا تستحق أن يغضب لها وينتقم لها، فإن ذلك إيثار لها بالرضا والغضب على خالقها وفاطرها، فلو عودها أن تغضب له وترضى لوجد أنه يندفع عنه الغضب والرضا لنفسه .

أن يعلم أن الرضا والغضب لله هما من أوليات تحقيق لا إله إلا الله، وأن الأجر عليها عند الله العظيم . قال تعالى (الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) قال السعدي (أي إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم وهو امتلاء قلوبهم من الحنق الموجب للانتقام بالقول والفعل، هؤلاء لا يعلمون بمقتضى الطباع البشرية بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم . ويدخل في العفو عن الناس والعفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم، لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء ، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله وعفا عن عباد الله رحمة بهم وإحسانا إليهم وكرامة لحصول الشر عليهم وليعفو الله عنهم وليكون أجرة على ربه الكريم لا على العبد الفقير كما قال تعالى(فمن عفا وأصلح فأجره على الله) ثم ختم الآية بالإحسان وهو أعلى الدرجات، فأنظر كيف جعل الله كظم الغيظ مقدمة للعفو وسببا له، وجعل العفو مقدمه للإحسان وسببا له، فتبين أن ترك الغضب هو جماع الخير كما سبق، فإن قلت فما المقدمة والسبب لكظم الغيظ، فاقرأ أول الآية: (الذين ينفقون . . ) فيكون الإنفاق في السراء والضراء من أعظم الطاعات التي تثمر كظم غيظ القلب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت