أن يكون غضب المسلم لله دفعا للأذى في الدين له أو لغيره وانتقامًا ممن عصى الله ورسوله، وهذه كانت حال النبى صلى الله عليه وسلم، فإنه كان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شئ . فإذا رأى أو سمع ما يكرهه الله غضب وقال فيه ولم يسكت . وقد دخل يوما بيت عائشة"رضي الله عنها"فرأى سترا فيه تصاوير ، فتلون وجهه وهتكه وقال: إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورن هذه الصور . والحديث في الصحيحين . ولما شُكى إليه الإمام الذي يطيل بالناس صلاته حتى يتأخر بعضهم عن الصلاة معه، غضب وأشتد غضبه ووعظ الناس وأمر بالتخفيف .
ولما رأى النخامة في قبلة المسجد تغيظ وحكها وقال: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاةِ فَإِنَّ اللَّهَ حِيَالَ وَجْهِهِ فَلا يَتَنَخَّمَنَّ حِيَالَ وَجْهِهِ فِي الصَّلاةِ) رواة البخاري, وهكذا غضبه لله .
أما لنفسه: فقد خدمه أنس عشر سنين فما قال له أف قط ولا قال له لشيء فعله لم فعلت كذا، ولا لشيء لم يفعله ألا فعلت كذا . بل إذا لامه بعض أهله قال صلى الله عليه وسلم (دعوه فلو قُضى شئ كان) يعنى لو كُسر منه إناء مثلا، احتج النبى صلى الله عليه وسلم بالقدر اعتذارا عن خادمة أنس"رضي الله عنه"ولما بلغه بن مسعود"رضي الله عنه"قول القائل (هذه قسمة ما أُريد بها وجه الله شق عليه صلى الله عليه وسلم وتغير وجهه وغضب ولم يزد على أن قال(لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر) فأنظر كيف دفع عن نفسه الغضب، لقد ذكر نفسه بصبر موسى"عليه السلام"على ما هو أكثر، ومن المعلوم سرعة وشدة غضب موسى عليه السلام لله، فعندما رجع غضبان أسفا وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح وهى من الله وفيها كلامه سبحانه، كل هذا من شدة غضبه لله حيث كان غضبا كالآمر الناهي ، لذلك قال تعالى (ولما سكت عن موسى الغضب) وهذا دأب الرسل: غضبهم لله شديد فاستعملوا فيه القوة العصبية على هذا النحو، فسهل عليهم أن لا يغضبوا لأنفسهم . وما أكثر ما يُغضب الله اليوم في حياة الناس في البيوت وفي الشارع وفي العمل وفي السفر وغير ذلك، فاستعن بالله وأغضب لله بالضوابط الشرعية، وأعلم أن الجزاء من جنس العمل، فالله سبحانه شاكر عليم وسوف يصرف عنك غضبك لنفسك بإذنه والله المستعان .