الصفحة 9 من 11

ففي المقام الأول: فإن الغرامة التهديدية لا تتأكد قيمتها، إلا بإعادة النظر في مقدارها، وإذا كان هذا الفقه أراد أن يتلاشى الضعف الناشئ عن نظام الغرامة التهديدية المؤقتة، بالقول بغرامة تهديدية قطعية، لا يعاد النظر فيها، فإن هذا المسلك ينقلب في الواقع إلى عقوبة مدنية [1] .

وفي المقام الثاني: فإن معيار الفعالية الذي ارتكن إليه أنصار الفريق الأول، للقول بالغرامة التهديدية القطعية، ليس كافيًا لتناسي عيوب هذا النظام أو تغافل أخطاره، فهذه الفعالية غير مؤكدة، ذلك أن نجاح الغرامة التهديدية أو فشلها، يعتمد على عوامل أخرى دون السمة القطعية، ولعل أهم هذه العوامل درجة مقاومة المدين، ومدى حاجة الدائن إلى التنفيذ العيني، أما ما قيل في خصوص معيار الفعالية، الذي استند إليه هذا الفقه، فلا يعدو أن يكون إطارًا عامًا للفكرة، أو خطوطًا عريضة لها، دون أن يصل إلى التفاصيل الدقيقة التي قد تثور في التطبيق العملي للنظرية.

ولعلنا لا نعدو حقيقة، إذا قررنا أنه حتى مع تمام التأكد من تلك الفعالية، فإن المنطق القانوني الصحيح يجب ألا يقبل أو ينظم كل إجراء فعال، فمن المفضل إن لم يكن من الضروري القيام بدراسة واقعية لإيجابيات الإجراء وسلبياته، قبل الإقدام على تبنيه.

وبذلك يمكن القول، بأن الغرامة التهديدية القطعية: تتصف بنوع من الجمود وعدم المرونة، ولا يتحقق معها غالبًا الحل العادل؛ أما الغرامة التهديدية المؤقتة: فإنها تتسم بالمرونة الكبيرة، وتفسح بذلك مجالًا رحبًا، يسع بالتأكيد نفس الوظيفة التي يمكن أن تؤديها الغرامة التهديدية القطعية، أو كما تقول الأستاذة دومنيك: «إن الغرامة التهديدية يمكن أن تصل، وبطريقة أكثر عدالة إلى نفس النتيجة» [2] .

وترتيبًا على ذلك، فإن الغرامة التهديدية المؤقتة، تعد هي النظام الوحيد الذي يسمح بحسب طبيعته ومداه، بمعالجة Medication أخطاء التقدير والنسيان، حيث يستطيع القاضي في المرحلة الثانية أن يقدر بهدوء وروية حقيقة الأشياء [3] .

المرحلة الثانية: ما بعد صدور قانون 5 يوليو سنة 1972:

12 -وفي الوقت الذي تعرض فيه نظام الغرامة التهديدية القطعية، لكل هذا النقد والهجوم، اتجه المشرع الفرنسي إلى الاعتراف بهذا الإجراء في نصوص قانون 5 يوليو 1972.

وبمطالعة نصوص الباب الثاني من هذا القانون، سرعان ما يتضح لنا مدى الخطورة التي ينطوي عليها هذا التشريع، فنص المادة الخامسة أعطى كافة المحاكم سلطة إعلان غرامة تهديدية قطعية من تلقاء نفسها، وتلك

(1) انظر: أ. د. عبد المنعم البدراوي، المصدر السابق، ص 48، أ. د. أنور سلطان. المصدر السابق، ص205، انظر أيضًا: DARBONNIER (J.) Droit civil. 4 . Les obligation. T. 11 n? 227 وقد أشار المؤلف إلى أنه: (ليس بمقدور الحاكم إعلان غرامات مالية قطعية، فالسمة الجوهرية للغرامة التهديدية أن تكمن في إعادة النظر في مقدارها) .

(2) انظر: DENIS (D.) : Lastreinte judiciaire. Nature et evolution. Th. Paris 11 1973 . n?272

(3) انظر: BORE (avocat) : La collaboration du juge et legislateur dams lastreinte judiciaire . Melange Ancel. T 1 .n?69.p.301 et s.

هذا الخصوص يقول بوريه ( .. وإعمالا لهذا المعيار، فإن القاضي إذا أصدر حكمه بغرامة تهديدية قطعية، فإنه لن يقف عن قدرات المدين إل بطريق سطحية غير متعمقة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت