وعلى هذا النحو نشأت فكرة الغرامة التهديدية القطعية كمحاولة للإفلات من القواعد التقليدية الجامدة للمسئولية المدنية، فالغرامة التهديدية القطعية نظام يهدف إلى إلزام المدين بتعويض متشدد يراعى فيه مدى جسامة خطأ المدين، وبهذا التحديد فهي تعد إحدى الوسائل التي حاول بها القضاء الفرنسي التحرر من القيود المفروضة عليه من تشريع يعتنق من مبادئه الأصيلة مبدأ إنكار الوظيفة الرادعة للتعويض [1] .
مناسبة ظهور الغرامة التهديدية القطعية:
5 -ولقد أثيرت فكرة الغرامة التهديدية القطعية لأول مرة في فرنسا، سنة 1948 حينما ألمح أحد الفقهاء الفرنسيين إلى أن السمة التهديدية - أي المؤقتة - ليس من شأنها أن تساهم في الطبيعة القانونية للنظام بقدر ما هي وصف عارض فيه [2] .
غير أن فرصة بحث هذه المسألة بحثًا جديًا، كان وليد حكم شهير صدر عن الدائرة الأولى لمحكمة النقض الفرنسية بتاريخ 4 نوفمبر سنة 1959 قررت فيه أن: «لقضاة الموضوع السلطة التقديرية في إعلان غرامة تهديدية، تحسب على أساس يوم تأخير، وتكتسب بصفة قطعية بإضافتها إلى التعويض» [3] .
فما أن صدر هذا الحكم حتى انقسم الرأي في الفقه الفرنسي بين مؤيد لنظام الغرامة التهديدية القطعية وبين مناهض لها، وبالنسبة للفريق الأول فإن سمة التأقيت ليست هي السمة التي تشكل جوهر النظام وطبيعته، فهذه السمة ليست بأكثر من عنصر تبعي أو عارض Aeventice فيه، وعلى العكس بالنسبة للفريق الثاني، فالغرامة التهديدية إجراء قهر لا يمكن الحكم بها بصفة قطعية، فجوهر الغرامة التهديدية يكمن في سمة التأقيت، وإعادة النظر في مقدارها.
6 -ويعد الأستاذان مازو Mazeaud وتونك Tunc، زعيما الاتجاه الأول، وقد احتجا لرأيهما بالقول: «إن الغرامة التهديدية - المؤقتة - تترك في ذهن المحكوم عليه المماطل الأمل في تصفيتها، على أن القاضي يستطيع أن يقدر بأن مقاومة المدين لا يمكن التغلب عليها إلا بغرامة تهديدية - غرامة مالية قطعية - يفقد المحكوم عليه بمقتضاها كل أمل في التخلص منها» [4] ، ويعلل الأستاذان مازو وتونك لرأيهما بالقول بأن: «ليس من المحتم أن يكون إجراء الإكراه، قابلًا لإعادة النظر فيه» [5] .
(1) انظر FREJAVILLE: La valeur pratique de I astreinte . j. c . p. 1951 . I . p . 910.
(2) انظر: MEURISSE (R.) : Lastreint non- comminatoire. G.P-1948. 2 . ch. 11 .
(3) انظر cass. Civ lere. 4 novemnber 1959 Bull. 1959. 1 . N ? 458. P. 381. ... الحكم الصادر في دعوى لامار LAMARE ضد بريفوست. PREVOST.
(4) انظر:"Lastreinte comminatoire laisse subsister dans I esprit du condamme recalcitrant l espoir dune revision . voir dune suppressine. Le juge peut estimer que la resistance du denbiteur ne peut etre vaincue que par une astreinte non-comminatoire une astreinte definitive. A laquelle le condamne perd route esperance de se soustraire."
(5) انظر: المصدر السابق الموضع السابق.