المبحث الثاني
خلاف العلماء فيما يعد من العمل معصية
تقدم قبل قليل ذكر طرف من أقوال العلماء في منع الإعانة على المعصية، لكنهم مختلفون فيما يعد من العمل معصية، وتبعًا لهذا الاختلاف يوجد لهم أقوال ربما فهم منها جواز العمل في الربا، ومن ذلك: اختلافهم في حمل الخمر، إذ اختلفوا فيه إلى قولين:
الأول: القول بالمنع وهو قول الجمهور قال به أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة.
الثاني: القول بجوازه، وهو قول أبي حنيفة، وجاء عن أحمد القول بكراهته وفيما يلي بيان ذلك:
جاء في المبسوط: (وإذا استأجر الذمي من المسلم بيتًا ليبيع فيه الخمر لم يجز لأنه معصية فلا ينعقد العقد عليه، ولا أجر له عندهما، وعند أبي حنيفة، رحمه الله يجوز، والشافعي رحمه الله يجوز هذا العقد لأن العقد يرد على منفعة البيت ولا يتعين بيع الخمر فيه فله أن يبيع فيه شيئًا آخر يجوز العقد لهذا، ولكنا نقول تصريحهما بالمقصود لا يجوز اعتبار معنى آخر فيه، وما صرحا به معصية [1] .
وكذلك لو أنا ذميًا استأجر مسلمًا يحمل له خمرًا فهو على هذا عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يجوزان العقد لأن الخمر يحمل للشرب وهو معصية، والاستئجار على المعصية لا يجوز، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم «لعن الله في الخمر عشرًا ... وأبو حنيفة رحمه الله يقول يجوز الاستئجار،
(1) المبسوط 16/ 38، وانظر بدائع الصنائع 4/ 190، الدر المختار 5/ 251، شرح فتح القدير 8/ 127.