الصفحة 17 من 24

إن المقاصد الخفية لا يدار الحكم عليها، لكن على الأمور الظاهرة، فدعنا من حسن الظن بالبنك الربوي، وأنه يهدف إلى ترك الربا، والتقليل منه ودعنا من إساءة الظن به، وأنه يريد غير ذلك، ولنحتكم إلى أمر واضح يصلح مدارًا للحكم، وبيانه:

أن من أراد التوبة من الربا لابد أن يسلك الطريق الصحيح في ذلك الذي رسمه الله تعالى بقوله: - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ - [1] .

ولقوله: - وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ - [2] .

فهذا شعار التوبة، وهو الفرقان بين أولياء الشيطان، وأولياء الرحمن فهل أعلن البنك الربوي الذي فتح محافظ للاستثمار المشروع هل أعلن تجرده من الزيادة التي فرضها على رأس المال إن كان تائبًا؟ وهل ألغى نظام الفائدة، وتوقف عن الإقراض، والاقتراض بالربا إن كان تائبًا، إذ من شرط التوبة الإقلاع عن الذنب، وعدم العودة إليه؟ ألم يكن شيء من ذلك فليس ثمة دليل على ما قد يقال في ذلك من حسن ظن بل الأدلة القائمة، وهي عدم تجرده مما بقي من الربا من جهة، واستمراره فيه من جهة ثانية، كل ذلك دليل عملي على ربوبيته فلم يُعد تهمة، ولا سوء ظن أن يقال: إن البنك الربوي عندما يفتح محافظ للاستثمار المشروع بجانب الاستثمار الممنوع إنما ذلك استكثار لا استغفار، دل لذلك الأدلة العملية الظاهرة المبينة آنفًا، على أن تقوية المركز المالي من خلال تنويع أوجه النشاط وتعددها منهج معلوم عند الاقتصاديين. وعلاوة على الاستكثار فإن ثمة أمر آخر ينجم عن هذا، وهو التلبيس على الناس وإيهامهم بشرعية تلك البنوك الربوية، لتزداد ثقتهم بها ويزيد إقبالهم عليها.

وإذا كان الحال ما ذكر فإنه يمتنع العمل في البنوك الربوية، ولو كان موضوع العمل مشروعًا لما فيه من إعانة للبنوك الربوية على إثمها وعدوانها،

(1) الآية 278 من سورة البقرة.

(2) الآية 279 من سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت