ج - العقل: وأما إقرار العقل لهذا التداوي فواضح؛ إذ العقل لا يحيل ذلك ولا يمنعه أبدًا، كيف وقد جاء الخبر الصادق بذلك، والعقل قد صدق المخبر فيما هو أعظم من مجرد الإخبار بالاستشفاء بتلاوة بعض الآيات والسور، ثم إنه لا يترتب على التصديق به أمر مستحيل؛ لأن العقل قد قرر أن الله سبحانه وتعالى هو المالك الفاعل المتصرف في الكون وما فيه من خلق، وهو سبحانه رب الأسباب والأدواء التي لا تشفي ولا تنفع بذاتها، بل هو الشافي والدافع لجميع الأفراد، وهو النافع والواهب للصحة والعافية، وهو الذي يحول بين الأسباب وبين مقتضياتها، وهو الذي يجعل فيها النفع سبحانه، فالاستشفاء والتداوي بتلاوة آيات وسور من القرآن على الأمراض الجسدية قررتها الشريعة السمحة، وجعلتها أسبابًا شرعية صحيحة نافعة بإذن الله تعالى، كما تقررها العقول الصحيحة [1] .
المطلب الثالث
في حكم التداوي بالقرآن
بعد أن اتفق الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على جواز الاستشفاء بالقرآن - كما سبق وأن بيّناه في المشروعية - وكما قال النفراوي المالكي: ولا خلاف في جواز الاسترقاء بأسماء الله تعالى وكتابه [2] إلا أنهم اختلفوا في حكم التداوي عمومًا ، وأيضًا في التساوي بين الفعل والترك، أو الفضيلة، أو الكراهة على عدة آراء:
(1) الطب النبوي: ابن القيم ص 141 .
(2) الثمر الداني: 1/710 .