عمر: نعم، نفرُّ من قدر الله تعالى إلى قدر الله تعالى ... . فلما أصبحوا جاء عبدالرحمن فسأله عمر عن ذلك؟ فقال: عندي فيه يا أمير المؤمنين شيء سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: (إذا سمعتم به ـ أي بالطاعون ـ بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه) [1] .
فالعلاج سبب من الأسباب يؤخذ به كما يؤخذ بالأسباب في كل الأمور الأخرى، بل إن تركها إذا ترتب عليه ضرر يكون محرمًا وقد أكد هذه المعاني ابن القيّم في الطب النبوي وبيّن بأن العلاج سبب مشروع، وقدر من قدر الله تعالى، وسنة من سننه.
ويكون التداوي مباحًا جائزًا تركه، إذا كان العلاج لا يجدي نفعًا وأن الدواء لا ينفعه، حيث ذكر الغزالي خمسة أسباب لترك التداوي منها أن تكون العلة مزمنة، والدواء الذي يؤمر به موهوم النفع [2] .
ب ـ النظر إلى العلاج الجيني من حيث ما له من خصوصية، وما له من آثار وما يترتب عليه من مصالح أو مفاسد أو مخالفات للنصوص الشرعية.
فبهذا الاعتبار لا ينبغي أن نصدر حكمًا عامًا لجميع أنواع العلاج الجيني وحالاته وذلك لأن الحكم الشرعي إنما يكون دقيقًا إذا كان متعلق الحكم معلومًا مبينًا واضحًا، لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره.
وإضافة إلى هذه الأدلة الخاصة بالعلاج والتداوي فهناك عدة قواعد عامة، ومبادئ معتبرة تتحكم في العلاج بصورة عامة، وفي العلاج الجيني بصورة خاصة وهي:
1ـ مقاصد الشريعة في رعاية المصالح الضرورية والحاجية، والتحسينية، والموازنة بين المصالح والمفاسد والقواعد المتفرقة منها مثل درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة وأنه يتحمل الضرر الأخف في سبيل درء الضرر الأكبر، وأن الضرر يزال، وأن الضرر لا يزال بمثله، وأن الضرورات تبيح المحظورات، وأن الضرورات تقدر بقدرها، وأنه يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، وأنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا، وأنه يختار أهون الشريّن، وأن الضرر يدفع بقدر الإمكان، وأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، وأن الاضطرار لا يبطل حق الغير، وأن المشقة تجلب التيسير، وأنه إذا ضاق الأمر اتسع، وأنه لا ضرر ولا ضرار [3] .
(1) الحديث صحيح متفق عليه انظر: صحيح البخاري ـ مع فتح الباري ـ (10/ 179) ، ومسلم الحديث رقم (2219) (4/ 1740)
(2) إحياء علوم الدين (4/ 279)