الصفحة 13 من 22

ينظر إلى العلاج الجيني من خلال اعتبارين: اعتبار عام من حيث هو علاج للأمراض، واعتبار خاص يتعلق بخصوصيته وماله من آثار وإجراءات.

أ ـ من حيث هو علاج للأمراض الوراثية فيطبق عليه من حيث المبدأ، الحكم الشرعي التكليفي للعلاج.

فمن الناحية الفقهية قد اختلف الفقهاء في حكم العلاج على عدة أقوال [1] ، والذي تشهد له الأدلة الشرعية ومقاصد الشريعة هو أن الأحكام التكليفية الخمسة (الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة) ترد عليه.

فالعلاج واجب إذا ترتب على عدم العلاج هلاك النفس بشهادة الأطباء العدول، لأن الحفاظ على النفس من الضروريات الخمس التي يجب الحفاظ عليها، وكذلك يجب العلاج في حالة كون المرض معديًا مثل مرض السل، والدفتريا (الخناق) والتيفود الكوليرا [2] للنصوص الدالة على دفع الضرر وأنه (لا ضرر ولا ضرار) [3] ، بل إن بعض الفقهاء ـ منهم جماعة من الشافعية، وبعض الحنابلة [4] ـ يذهبون إلى أن العلاج واجب مطلقًا وقيده بعضهم بأن يظن نفعه، بل ذهب الحنفية [5] إلى وجوبه إن كان السبب المزيل للمرض مقطوعًا به وذلك كما أن شرب الماء واجب لدفع ضرر العطش، وأكل الخبز لدفع ضرر الجوع، وتركهما محرّم عند خوف الموت، وهكذا الأمر بالنسبة للعلاج والتداوي. جاء في الفتاوى الهندية: (اعلم بأن الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع ... أما المقطوع به فليس تركه من التوكل، بل تركه حرام عند خوف الموت) [6] .

وقد استدل هؤلاء الفقهاء بالأحاديث الآمرة بالتداوي مثل حديث أسامة بن شريك قال: (أتيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: تداووا فإن الله تعالى لم يضع داءً إلاّ وضع له دواء غير داء واحد الهرم) [7] ، ولحديث أبي الدرداء: (قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا، ولا تتداووا بحرام) [8] ، فإذا كان العلاج واجبًا فيكون تركه حرامًا كما في حالة كون المرض معديًا، أكون الشخص مهددًا بالموت أو بضرر كبير إذا لم يتم العلاج.

وأن التداوي مستحب إذا كان التداوي بما يمكن الاستشفاء به حسب الظن وليس اليقين [9] ، وذلك اقتداءً بتداوي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله، وفعله [10] ، وفيما عدا ذلك فهو مباح مشروع وهذا رأي جمهور الفقهاء [11] ، قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: (اعلم أن الذين تداووا من السلف لا ينحصرون، ولكن قد ترك التداوي أيضًا جماعة من الأكابر) ثم ذكر بأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تداوى، ولو كان نقصانًا لتركه، إذ لا يكون حال غيره في التوكل أكمل من حاله) [12] .

وقد ردّ الغزالي على من قال بأن التداوي يخالف التوكل بأن ذلك نوع من المغالطة، لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تداوى وهو سيد المتوكلين، وأمر به في أكثر من حديث، ثم إن التداوي مثل استعمال الماء للعطشان، والأكل لدفع الجوع فلا فرق بين هذه الدرجات، فإن جميع ذلك أسباب رتبها مسبب الأسباب سبحانه وتعالى، وأجرى بها سنته [13] ، ويدل على أن ذلك ليس من شرط التوكل ما روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ وعن الصحابة في قصة الطاعون ـ فإنهم لما قصدوا الشام وانتهوا إلى الجابية بلغهم الخبر أن به موتًا عظيمًا ووباءً ذريعًا فافترق الناس فرقتين، فقال بعضهم لا ندخل على الوباء فنلقي بأيدينا إلى التهلكة، وقالت طائفة أخرى: بل ندخل ونتوكل على الله ولا نهرب من قدر الله تعالى، ولا نفرّ من الموت كمن قال الله تعالى في حقهم: (ألم ترَ إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ... ) [14] ، فرجعوا إلى عمر فسألوه عن رأيه، فقال: نرجع ولا ندخل على الوباء، فقال له المخالفون لرأيه: أنفرّ من قدر الله تعالى؟ قال

(1) يراجع لتفصيل ذلك: بحث الدكتور علي المحمدي بعنوان"حكم التداوي في الإسلام"المنشور في مجلة المجمع العدد السابع، ج3 (ص602)

(2) د. محمد علي البار: بحثه بعنوان"العلاج الطبي"المنشور في مجلة المجمع، العدد السابع، ج3 (ص570)

(3) الحديث رواه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية (ص464) ، وأحمد في مسنده (1/ 313، 5/ 327) ، وابن ماجه (2/ 784) وهو حديث صحيح صححه البعض منهم الألباني في الإرواء الحديث (896)

(4) مجموع الفتاوى لابن تيمية ط. الرياض (24/ 269، 21/ 564) ، وإحياء علوم الدين ط. عيسى البابي الحلبي (4/ 279) ، والآداب الشرعية لابن مفلح (2/ 361)

(5) الفتاوى الهندية (5/ 355)

(6) المرجع السابق

(7) رواه أبو داود في سننه مع عون المعبود (10/ 334) ، والترمذي وقال: حسن صحيح، تحفة الأحوذي (6/ 190) ورواه النسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه.

(8) رواه أبو داود في سننه ـ مع عون المعبود ـ (10/ 351)

(9) يراجع: الفتاوى الهندية (5/ 255)

(10) يراجع: سنن أبي داود ـ مع عون المعبود ـ (10/ 339، 341، 349) ، وفتح الباري (10/ 147،150) حيث روى البخاري وغيره أنه صلى الله عليه وسلم احتجم.

(11) الفواكه الدواني (2/ 442) ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/ 199) ود. علي المحمدي: بحثه السابق

(12) إحياء علوم الدين (4/ 283)

(13) المرجع السابق (4/ 283)

(14) سورة البقرة / الآية (243)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت