قال القاضي: وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولا حين اطلع على سمها، وقيل له: اقتلها، فقال: لا، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصا، فيصح قولهم لم يقتلها، أي: في الحال، ويصح قولهم: قتلها، أي: بعد ذلك.
2 -أما المعقول:
فإن السم وأمثاله يقتل غالبا، ويتخذ طريقا إلى القتل كثيرا، فأوجب القصاص كما لو أكرهه على شربه، أو كالقتل بالسلاح.
ولأنه ألجأه إلى ذلك، وتسبب به فكان كما لو باشر القتل بنفسه.
المذهب الثاني:
أنه لا يدخل مع القتل العمد وعليه فلا قصاص وتجب الدية وهو مذهب الحنفية [1] مطلقا والقول الثاني للشافعي إذا كان المقتول بالغا عاقلا، أما إذا كان صبيا أو مجنونا فيلزمه القصاص وفي حكمهما الأعجمي الذي يعتقد أنه لابد من الطاعة في كل ما يشار عليه به، ولا فرق بين الصبي المميز وغيره [2] .
ودليل هذا المذهب السنة والمعقول:
1 -أما دليل السنة:
فما رواه أنس بن مالك [3] أن يهودية أتت النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ بشاة مسمومة فأكل منها النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وجيئ بها إلى رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، قال: ما كان الله ليسلطك على ذاك، قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا، قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم.
2 -أما المعقول:
فلأن المجني عليه أكل الطعام المسموم باختياره، فأشبه لو قدم إليه سكينا فطعن بها نفسه.
وإذا لم يجب القود فقد وجبت الدية لتعديه، وقيل: لا تجب [4] .
أجاب ابن قدامة على هذا الدليل بما يأتي: [5]
(1) الاختيار: 5/ 26، مجمع الأنهر: 2/ 622.
(2) وفي قول: لا شئ من قصاص أودية تغلبا للمباشرة على السبب ــ روضة الطالبين: 9/ 130، مغني المحتاج: 4/ 7، المهذب: 2/ 176.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي: 9/ 21.
(4) الاختيار: 5/ 26، روضة الطالبين: 9/ 131.
(5) المغني والشرح الكبير: 9/ 330.