أولا: حديث أنس لم يذكر فيه أن أحدا مات منه، ولا يجب القصاص إلا أن يقتل به ويجوز أن يكون النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لم يقتلها قبل أن يموت بشر بن البراء، فلما مات أرسل إليها النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ فسألها فاعترفت فقتلها، فنقل أنس صدر القصة دون آخرها، ويتعين حمله عليه جمع بين الخبرين.
ويجوز أن يترك قتلها لكونها ما قصدت بشر بن البراء، إنما قصدت قتل النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ، فاختل العمد بالنسبة لبشر.
وقال الخطيب الشربيني [1] نقلا عما في"البحر". والاستدلال بذلك ــ أي بالحديث ــ ضعيف، لأنها لم تقد الشاة إلى الأضياف بل بعثتها إليه ــ صلى الله عليه وسلم ــ وهو أضاف أصحابه وما هذا سبيله لا يلزمه القصاص.
ثانيا: تقديم الطعام المسموم يخالف تقديم السكين؛ لأنها لا تقدم إلى إنسان ليقتل بها نفسه، إنما تقدم إليه لينتفع بها وهو عالم بمضرتها ونفعه، فأشبه ما لو قدم إليه السم وهو عالم به.
قلت: وبهذه الإجابة تتضح قوة دليل القائلين بوجوب القصاص، وهو ما نرجحه، لحماية أرواح الأبرياء، بعد ظهور وانتشار سموم العصر، وتقديمها كعلاج للمرض النفسي، أو الراغبين في اليقظة والانتعاش، وهي في الحقيقة سموم قاتلة، موجهة للقضاء على المسلمين.
وتحت تأثير الرغبة في الهروب من مشاكل الواقع يقبل المجني عليه جرعة من تلك السموم فتكون بداية النهاية.
(1) مغني المحتاج: 4/ 7 ــ وقد ذكر بن قيم الجوزية قصة اليهودية بتفصيل مفيد يحسن ذكره هنا، قال: في هذه الغزوة ــ أي خيبر ــ سم رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ، أهدت له زينب بنت الحرث اليهودية امرأة سلام بن مشكم شاة مشوية قد سمتها، وسألت: أي اللحم أحب إليه فقالوا: الذراع، فأكثرت من السم في الذراع، فلما انتهش من ذراعها أخبره الذراع بأنه مسموم، فلفظ الأكلة ثم قال: اجمعوا إلي من هاهنا من اليهود، فجمعوا له، فقال لهم:"أني سائلكم عن شئ فهل أنتم صادقي فيه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ:"من أبوكم"؟ قالوا: أبونا فلان، قال:"كذبتم أبوكم فلان"، قالوا: صدقت وبررت، قال:"هل أنتم صادقي عن شئ إن سألتكم عنه"؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم وإن كذبنا عرفت كما عرفته في أبينا، فقال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ:"من أهل النار"؟ فقالوا نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها."
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اخسئوا فيها فوالله لا نخلفكم فيها أبدا".
ثم قال:"هل أنتم صادقي عن شئ إن سألتكم عنه"؟، قالوا: نعم. قال:"أجعلتم في هذه الشاة سما"؟ قالوا: نعم. قال:"فما حملكم على ذلك"؟ قالوا أردنا إن كنت كاذبا نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك، وجئ بالمرأة إلى رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ، فقالت: أردت قتلك، فقال:"ما كان الله ليسلطك علي"، قالوا ألا نقتلها؟ قال:"لا"ولم يتعرض لها، ولم يعاقبها، واحتجم على الكاهل وأمر من أكل منها فاحتجم، فمات بعضهم، واختلف في قتل المرأة، فقال الزهري: أسلمت فتركها، ذكره عبد الرازق عن معمر عنه، ثم قال معمر والناس تقول: قتلها النبي ــ صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو داوود: حدثنا وهب بن بقية قال: حدثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة أن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية، وذكر القصة، وقال: فمات بشر بن البراء بن معرور، فأرسل إلى اليهودية: ما حملك على الذي صنعت؟ قال جابر: فأمر بها رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ فقتلت، قلت: كلاهما مرسل، ورواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمر: عن أبي سلمة عن أبي هريرة متصلا أنه قتلها لما مات بشر بن البراء، وقد وفق بين الروايتين، بأنه لم يقتلها أولا فلما مات بشر بن البراء قتلها، وقد اختلفت هل أكل النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ منها أو لم يأكل؟ وأكثر الروايات أنه أكل من ها وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى قال في وجعه الذي مات فيه:"ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر، فهذا أوان انقطاع الأبهر مني قال الزهري: فتوفى رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ شهيدا 10هـ زاد المعاد: 2/ 139، 140."