والسلطان في الآية هو حق طلب القصاص بدليل بقية الآية"فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا"أي لا يزيد عن حقه في القصاص، فإن عفي حق للإمام أن يعترض لأنه الولي العام للمسلمين وقياس قاتل غيلة على المحارب أولى لخطره.
المسألة الثانية:
القتل بالسبب: يكون بغير مباشرة، مثل: أن يحفر بئرا في غير ملكه ليهلك فيه الناس، أو يحبس شخصا ويمنعه الطعام والشراب أو أحدهما حتى يموت، أو يقتله بالدخان بأن يحبسه في بيت وسد منافذه فاجتمع عليه الدخان فضاق نفسه فمات أو أن يسقيه سما مكرها فيموت [1] .
قلت: أو يطرح في الأسواق كميات من الأطعمة والمشروبات والأدوية السامة القاتلة ليهلك بها الناس بعد شرائها بأنفسهم، ودون أن يقوم القاتل بإطعامهم أو سقيهم مباشرة.
فمن تسبب في قتل غيره هل يعتبر قتله هذا عمدا يوجب القصاص أم شبه عمد يوجب الدية لا القصاص؟
ذهب أبو حنيفة [2] إلى أن القتل بالسبب لا يكون عمدا، وبذلك لا يثبت القصاص ولكن تجب الدية على العاقلة، لكن إن تكرر منه ذلك فللإمام قتله سياسة، لأنه سعى في الأرض بالفساد، أو أن يكون قتله بالنار، وهو قول الحسن والشعبي، وقال ابن المسيب وعطاء وطاوس: العمد ما كان بالسلاح [3] .
وحجة أبي حنيفة: أن القصاص يتعلق بالعمد المحض، وهو أن تقتل بآلة جارحة تعمل في نقض البنية ظاهرا وباطنا، ولم يوجد والقود يستوفي بالسيف وفيه جرح الظاهر والباطن، فلا يتماثلان.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن القتل بالسبب يوجب القصاص كالقتل بالمباشرة، وهو قول أبي يوسف ومحمد من الحنفية [4] ، والمالكية [5] والشافعية [6] ، والحنابلة [7] ، وبه قال النخعي والزهري وابن سيرين وحماد وعمرو بن دينار وابن أبي ليلى، وإسحاق، وبهذا قضى شريح، كما روى ذلك عن علي [8] .
ويجب القصاص في القتل بالسبب عند الجمهور سواء كان السبب شرعيا كشهادة الزور فيما يوجب القتل، أو كان السبب حسيا كالإكراه على القتل، لأن كل هذا يؤثر في الهلاك.
قلت: ويمكن الجواب عن قول أبي حنيفة بأنه لا يشترط لوجوب القصاص أن يكون القاتل موافقا لصورة القصاص، لأن القتل اعتداء مقصود منه إزهاق الروح مع الإيلام، أما القصاص فهو حق شرعي مقصوده الزجر لحماية الناس، كما أن السبب من فعل المسبب فيكون كالمباشرة.
(1) الاختيار: 5/ 22، مغني المحتاج: 4/ 5،6، المهذب: 2/ 176.
(2) الاختيار: 5/ 22، مجمع الأنهر: 2/ 622.
(3) الاختيار: 5/ 23.
(4) مجمع الأنهر: 2/ 622.
(5) التاج والإكليل هامش مواهب الجليل: 6/ 232، 241.
(6) مغني المحتاج: 4/ 6.
(7) المغني والشرح الكبير: 9/ 565، 566.
(8) المغني والشرح الكبير: 9/ 323، 566.