ومن صور قتل الغيلة: أن يخدع الجاني المجني عليه فيعطيه شمة قوية من (الهيروين) على غرة ليقتله.
والقتل الغيلة قتل عمد فيه القصاص، ويحق لولي المجني عليه أن يعفو عن القصاص إلى الدية، فهذا حقه لا حق الحاكم.
وهذا قول أبي حنيفة [1] والشافعي [2] وأحمد [3] وبه قال ابن المنذر [4] .
ودليلهم: قول الله تعالى:"فجعلنا لوليه سلطانا" [5] ، ولأنه قتيل في غير المحاربة فكان أمره لوليه كسائر القتلى.
وقال الإمام مالك [6] : الأمر عندنا أن يقتل به، وليس لولي الدم أن يعفو عنه، وذلك إلى السلطان.
وحجة هذا القول: ما رواه مالك في الموطأ [7] عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قتل نفر خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة، وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به.
وعند البخاري: [8] عن ابن عمر قال: قتل غلام غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به.
وللحديث قصة أخرجها الطحاوي والبيهقي عن ابن وهب قال [9] : حدثني جرير بن حازم أن المعيرة بن حكيم الصنعاني حدثه عن أبيه:"أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها، وترك في حجرها ابنا له من غيرها يقال له: أصيل فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلا، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام: الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه، ثم قطعوه أعضاء وجعلوه في عية ــ بفتح العين وسكون الياء: وعاء من آدم ــ وطرحوه في ركية ــ بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد الياء: البئر لم تطو ــ في ناحية القرية ليس فيها ماء ــ وذكر القصة وفيها ــ فأخذ خليلها فاعترف ثم اعترف الباقون فكتب يعلي وهو يومئذ أمير بشأنهم إلى عمر ــ رضي الله عنه ــ فكتب عمر بقتلهم جميعا وقال والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين."
ولأن قتل الغيلة يشبه الحرابة فيأخذ حكمها.
قلت: وقول الإمام مالك هو الأولى بالترجيح حتى لا يتغالب القاتل على أهل المجني عليه ويطلب منهم العفو أو يصالحهم على الدية وتقوى شوكته ويعظم خطره، ولعل هذا من باب قتل السياسة الذي قال به أبو حنيفة في شبه العمد.
(1) الاختيار: 5/ 25.
(2) مغني المحتاج: 4/ 119، 120.
(3) المغني والشرح الكبير: 9/ 336.
(4) المغني والشرح الكبير: 9/ 336.
(5) سورة الإسراء من الآية رقم 33.
(6) واشترط بعض المالكية أن يكون قتل الغيلة على مال، قال صاحب مواهب الجليل: ونقل هذا عن بعض أصحابنا أظنه البوني ــ أنظر مواهب الجليل: 6/ 233.
(7) موطأ مالك: ص 628 رقم 1584.
(8) سبل السلام: 3/ 1202 رقم 1100.
(9) سبل السلام: 3/ 1202 رقم 1203.