ابن الجوزي: في الحديث دلالة على أن القوي يحمّل ما حمل، والضعيف يرفق به، إلا أنه كلما قويت المعرفة بالمبتلي هان عليه البلاء، ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء، وأعلى من ذلك درجة من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه؛ فيسلم ولا يعترض، وأرفع منه من شغلته المحبة عن طلب رفع البلاء، وأنهى المراتب من يتلذذ به؛ لأنه عن اختياره نشأ، والله أعلم). [1]
وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله متى يعرف العبد أن هذا الابتلاء امتحان أو عذاب؟ إذا ابتلى أحد بمرض أو بلاء سيء في النفس أو المال , فكيف يعرف أن ذلك الابتلاء امتحان أو غضب من عند الله؟!.
فأجاب: الله عز وجل يبتلي عباده بالسراء والضراء، وبالشدة والرخاء, وقد يبتليهم بها لرفع درجاتهم، وإعلاء ذكرهم، ومضاعفة حسناتهم كما يفعل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والصلحاء من عباد الله, كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) [2] , وتارة يفعل ذلك سبحانه بسبب المعاصي و الذنوب, فتكون العقوبة معجلة، كما قال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [3] .فالغالب على الإنسان التقصير، وعدم القيام بالواجب، فما أصابه فهو بسبب ذنوبه وتقصيره بأمر الله, فإذا ابتلي أحد من عباد الله الصالحين بشيء من الأمراض أو نحوها؛ فإن هذا يكون من جنس ابتلاء الأنبياء والرسل، رفعا في الدرجات، وتعظيما للأجور، وليكون قدوة لغيره في الصبر والاحتساب، فالحاصل أنه قد يكون البلاء لرفع الدرجات، وإعظام الأجور، كما يفعل الله بالأنبياء وبعض الأخيار, وقد يكون لتكفير السيئات كما في قوله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [4] . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (ما أصاب المسلم من هم و لا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه حتى الشوكة يشاكها) [5] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يصب به) [6] . وقد يكون ذلك عقوبة معجلة بسبب المعاصي، و عدم المبادرة للتوبة كما في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا , وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة) خرجه الترمذي وحسنه). [7]
ونخلص من هذه المسألة إلى الحقائق التالية:-
(1) فتح الباري 10/ 112.
(2) سبق تخريجه.
(3) سورة الشورى الآية 30.
(4) سورة النساء الآية 123.
(5) صحيح البخاري، ح 5318، 5/ 2137.
(6) المصدر السابق، ح 5321، 5/ 2138.
(7) مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز، إعداد عبد الله بن محمد الطيار 2/ 478 - 488. والحديث في سنن الترمذي، ح2396، 4/ 601.