فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 76

ينبغي أن يُعلمَ أن الدنيا دار كبد وبلاء، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [1] . وقال سبحانه وتعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [2] . وقال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [3] وأخرج أبو جعفر ابن جرير الطبري بسنده عن عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه تلا هذه الآية: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} قال: (أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله) . [4] فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعبدوه؛ وابتلاهم بالحسنات والسيئات، بالخير والشر؛ لينظر أيهم أحسن عملا، فمن أحسن فله الحسنى وزيادة، ومن أساء فله السوء بما قدمت يداه، وقد يبتلي الله الصالحين بالبلاء؛ رفعة لدرجاتهم، وتمحيصا لسيئاتهم، وليقتدي فيهم غيرهم، بالصبر والشكر على أقدار الله، قال تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [5] . وأخرج الحاكم في المستدرك عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أشد الناس بلاء؟ قال: (النبيون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، إن كان صلب الدين اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء على العبد حتى يدعه يمشي على الأرض ليس عليه خطيئة) . [6]

وبوّب البخاري رحمه الله في صحيحه بقوله: باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول، وأورد فيه حديث عبد الله قال: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يوعك - فقلت يا رسول الله! إنك لتوعك وعكا شديدا؟! قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك بأن لك أجرين، قال: أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى - شوكة فما فوقها - إلا كفّر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها). [7]

قال ابن حجر رحمه الله: (ووجه دلالة حديث الباب على الترجمة من جهة قياس الأنبياء على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإلحاق الأولياء بهم لقربهم منهم، وإن كانت درجتهم منحطة عنهم، والسر فيه أن البلاء في مقابلة النعمة، فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاؤه أشد، ومن ثم ضوعف حد الحُرِّ على العبد، وقيل لأمهات المؤمنين: {يَانِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} . [8] قال

(1) سورة البلد الآية 4.

(2) سورة الملك الآية 2.

(3) سورة هود الآية 7.

(4) جامع البيان 12/ 5.

(5) سورة العنكبوت 1 - 3.

(6) المستدرك، ح 121،1/ 99.

(7) صحيح البخاري، ح5324،5/ 2139.

(8) سورة الأحزاب الآية 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت