العذاب المهين مستمر لكل من استكبر وطغى، فقال جل ثناؤه: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [1]
والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بدعا من الرسل، فكما خاف على قومه المعاصرين له، وأنذرهم وخوّفهم؛ فقد خوف اللاحقين من أمته، وحذرهم من المعاصي والذنوب عموما، وحذرهم من معاص معينة محددة بعينها، وأخبرهم بما يترتب عليها من العذاب العاجل، [2] فإخباره - صلى الله عليه وسلم - أمته، وتحذيره إياها لا يتعارض مع كونه أرسل رحمة للعالمين، فمن كمال رحمته إنذاره، ومن كمال رحمته أنه سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة بعامّة،، حيث قال - صلى الله عليه وسلم: (سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها) [3] . بل لما بلغ به الأذى من قومه ما بلغ، وجاءه ملك الجبال يستأذنه في أن يطبق عليهم الأخشبين، قال مقالته الرحيمة المشهورة: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا) . [4]
ومن واجبه إبلاغ أمته بما ينتظرها، إن هي خالفت الأوامر الربانية، ومن كمال رأفته ورحمته أن يبين لأمته أسباب العذاب الذي يوشك أن يقع بها.
وحَمَلَة رسالته يقتدون بهديه، ويستنون بسنته، فيبشرون بما بشر به من سعة رحمة الله، وعظيم مغفرته، وفرحه بتوبة عبده، وينذرون بما أنذر به من أسباب الهلاك المترتب على مقارفة الذنوب والمعاصي. ولو لم يفعلوا لكان ذلك خيانة منهم لأمتهم، ومعصية لرسولهم - صلى الله عليه وسلم -.
فإذا وقع ما حذر منه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهذا مصداق نبوته - صلى الله عليه وسلم -، ثم إذا قام العلماء بواجب التنبيه والتذكير فلا يتجه إليهم اللوم والتعنيف بسبب تحذيرهم وإنذارهم، ولا يعدّ عملهم هذا من باب الشماتة بمن وقعت عليهم هذه الأحداث، كما لا يعدّ قولهم هذا تزكية لأنفسهم ومجتمعهم، بل الجميع عرضة للخطأ، وعرضة لنزول العذاب إذا قارفوا أسبابه، وتعرضوا لما يسخط الجبار، سبحانه وتعالى.
المسألة الخامسة: ما الفرق بين الابتلاء للمؤمنين والعذاب للمعاندين؟.
(1) سورة الأنعام الآية 93.
(2) انظر المبحث الثالث من هذا البحث، حيث ورد فيه عدد من الذنوب والمعاصي التي تترتب عليها عقوبات دنيوية عاجلة.
(3) صحيح مسلم، ح2890،4/ 2216.
(4) صحيح البخاري ح3059،3/ 1180، وصحيح مسلم ح1795،3/ 1420.