وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومحمد وإبراهيم أفضل الرسل؛ فإنهم إذا علموا الدعوة حصل المقصود، وقد يتوب منهم من يتوب بعد ذلك، كما تاب من قريش من تاب، وأما حال إبراهيم فكانت إلى الرحمة أميل، فلم يسع في هلاك قومه لا بالدعاء، ولا بالمقام ودوام إقامة الحجة عليهم، وقد قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ(13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} [1] .... والخليلان هما أفضل الجميع، وفي طريقتهما من الرأفة والرحمة ما ليس في طريقة غيرهما). [2]
فنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين من كل وجه، باعتبار ما حصل من الخير العام به، وما حصل للمؤمنين به من سعادة الدنيا والآخرة، وباعتبار أنه في نفسه رحمة، فمن قَبِلَها وإلا كان هو الظالم لنفسه، وباعتبار أنه قمع الكفار والمنافقين، فنقص شرهم، و عجزوا عما كانوا يفعلونه بدونه. [3]
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - رحمة للخلق في دعوته وفي سلمه وفي حربه، يقول ابن القيم رحمه الله: (وأما نبي الرحمة فهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين؛ فرحم به أهل الأرض كلهم مؤمنهم وكافرهم، أما المؤمنون فنالوا النصيب الأوفر من الرحمة، وأما الكفار: فأهل الكتاب منهم عاشوا في ظله وتحت حبله وعهده، وأما من قتله منهم هو وأمته فإنهم عجلوا به إلى النار، وأراحواه من الحياة الطويلة التي لا يزداد بها إلا شدة العذاب في الآخرة) . [4]
والعذاب والنكال الذي توعدت به الرسل أقوامهم لم يكن مجرد تهديد ووعيد؛ بل إذا تنكبت الأقوام عن الصراط، وعاندت المرسلين، واستكبرت على رب العالمين؛ فحينئذ يحق القول، وينزل بهم ما كان أنذرهم إياه رسولهم، كما قال تعالى: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} . [5]
وبين سبحانه وتعالى أن هذا العذاب الذي يصيب به أعداءه، إنما هو عذاب خزي لهم في الحياة الدنيا، وهو عذاب هوان لهم، قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [6] . وأخبر الحق سبحانه وتعالى أن هذا
(1) سورة إبراهيم الآيتان 12 - 13.
(2) النبوات، 29 - 30.
(3) مجموع الفتاوى 17/ 516.
(4) زاد المعاد 1/ 95 - 96.
(5) سورة العنكبوت 40.
(6) سورة فصلت الآيتان 16 - 17.