فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 20

ومن أمثلته ما يلي:

1 -قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) [1] .

فالتحريم حكم شرعي، وقد أضيف هنا إلى ذات الأم، وهذه الحقيقة - أعني حقيقة تحريم ذات الأم - غير مراده هنا؛ لأن التحريم نوع من أنواع الحكم الشرعي, وهو لا يتعلق إلا بأفعال المكلفين.

فاللفظ باعتبار وضعه اللغوي يفيد حرمة شيء ما من الأمهات, ولكن أهل العرف نقلوه من هذا المعنى، وجعلوه مفيدًا لحرمة جميع أنواع الاستمتاعات المقصودة من النساء عرفًا, فاستفيد العموم هنا من العرف.

قال الإسنوي [2] - رحمه الله:

«إن أهل العرف نقلوا هذا المركب من تحريم العين إلى تحريم جميع وجوه الاستمتاعات؛ لأنه المقصود من النسوة» .

2 -قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [3] .

هذه الآية كالتي سبقت, فهي تفيد حرمة شيء ما من الميتة، ولكن أهل العرف جعلوها مفيدة لتحريم كل ما يتعلق بالميتة من أكل أو انتفاع بها على أي وجه كان الانتفاع, فالعموم هنا استفيد من العرف.

وقد اختلف العلماء في المراد من الآية, فقال بعضهم: (المراد منها هو تحريم أكلها؛ لأن الأكل هو المقصود الأعظم من الحيوان عند ذبحه لذلك لما أباح النبي - صلى الله عليه وسلم- الانتفاع بإهاب [4] الميتة قال: «هلا أخذتم إهابها, فدبغتموه فانتفعتم به» قالوا: «يا رسول الله إنها ميتة» فقال - صلى الله عليه وسلم-: «إنما حرام أكلها» [5] .

فالصحابة - رضي الله عنهم - فهموا من تحريم الميتة تحريم الانتفاع بها، وقد بيَّن لهم النبي - صلى الله عليه وسلم- أن المحرم هو الأكل فقط [6] .

وقال بعضهم: «المراد كل ما يتعلق بها من أكل وغيره, فلا يجوز الانتفاع بشيء من الميتة» .

وقال بعضهم: «الآية مجملة, ولابد من قرينة تبين المراد» .

القسم الثالث

العام من جهة العقل

(1) سورة النساء آية رقم: 23.

(2) راجع: نهاية السؤل 2/ 68.

(3) سورة المائدة آية رقم: 3.

(4) الإهاب: الجلد قبل أن يدبغ. راجع: لسان العرب مادة -أهب-.

(5) أخرجه مسلم في كتاب الحيض باب- طهارة جلود الميتة بالدباغ- 1/ 276.

(6) راجع التبصرة في أصول الفقه للشيرازي ص: 201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت