الثاني: أنها ليست للعموم:
وهذا هو قول المبرد، وتبعه عليه الجرجاني [1] والزمخشري [2] عند تفسير قوله تعالى: (مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [3] وقوله سبحانه: (وَمَا تَاتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) [4] نعم يستثنى من عموم النكرة في سياق النفي صورتان:
الأولى: إذا دخل النفي عليها بعد عمومها، فإنها لا تفيد العموم في هذه الصورة؛ لأن المقصود حينئذ إنما هو سلب العموم، وليس عموم السلب؛ أي: ليس حكمًا بالسلب على كل فرد, وذلك نحو قولنا: «ما كل عدد زوجًا» فإن هذا ليس حكمًا بالسلب على كل فرد من أفراد العدد، وإلا لم يكن فيه عدد زوجًا، وهو ظاهر البطلان، والمقصود من الكلام إنما هو الرد على من ادعى أن كل عدد زوج، فنحن نقول له: «ليس كل عدد زوجًا» أي: ليست الكلية صادقة, بل بعضها كذلك فهو سلب الحكم على العموم, لا حكم بالسلب على العموم.
الثانية: قال سيبويه - رحمه الله: «إذا قلت: «لا رجل في الدار» بالرفع فإن النكرة حينئذ لا تعم, بل هو نفي للرجل بوصف الوحدة, فتقول العرب: «لا رجل في الدار, بل اثنان» فهذه نكرة في سياق النفي, وهي لا تعم إجماعًا».
ومن أجل هاتين الصورتين اللتين استثناهما العلماء عاب القرافي - رحمه الله - إطلاق العلماء: «النكرة في سياق النفي تعم» قال - رحمه الله - [5] :
«وأما النكرة في سياق النفي, فهي من العجائب في إطلاق العلماء من النحاة والأصوليين يقولون: «النكرة في سياق النفي تعم» أكثر هذا الإطلاق باطل».
والحق أن ما قاله العلماء صحيح وهو القاعدة، ولا يؤثر في صحة القاعدة وجود صور مستثناة.
هذا ومثل النفي في هذا؛ لأنه في معنى النفي.
(1) هو الإمام أبو عبد الله يوسف بن علي, الفقيه الحنفي الجرجاني, كان عالمًا يرحل إليه له مصنفات كثيرة نافعة. راجع: تاج التراجم ص: 82.
(2) هو الإمام محمد بن عمر الخوارزمي جار الله, لقب بذلك؛ لأنه جاور مكة زمانًا الزمخشري أبو القاسم من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والأدب, ولد في - زمخشر - من قرى خوارزم سنة 467 هـ له مؤلفات مهمة مات سنة 538 هـ - رحمه الله -. راجع: بغية الدعاة 2/ 279، وطبقات المفسرين للداوودي 2/ 314.
(3) سورة هود آية رقم: 61.
(4) سورة الأنعام آية رقم: 4.
(5) راجع: شرح تنقيح الفصول ص: 181.