فإن المراد بـ «من» في الموضعين بعض مخصوص من المنافقين, فلا يكون الموصول عامًّا إلا إذا لم يقع على شخص معهود بأن وقع على كل من يصلح له.
وأرى أن أبين هنا أمرين يتعلقان بكلمة «من» في غاية الأهمية.
ـ الأول: أن كلمة «من» الأصل فيها أنها لمن يعلم, وتكون بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث، ولكنها قد تستعمل فيمن لا يعلم في ثلاث حالات:
(الحالة الأولى) : أن يقترن من يعلم بمن لا يعلم في عموم مفصل بـ «من» الجارة نحو قوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) [1] .
(الحالة الثانية) : أن ينزل غير العالم منزلة العالم كقول الشاعر:
بكيت على سرب [2] القطا إذ مررن بي ... فقلت ومثلي بالبكاء جدير
أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير؟!
(الحالة الثالثة) : أن يختلط غير العالم بالعالم, نحو قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ) [3] .
ـ الأمر الثاني: الصحيح [4] أن كلمة «من» تعم الذكور والإناث، والأحرار والعبيد.
وهذا عد الجمهور؛ وذلك لإشعارها بالعموم عند الإبهام في باب الشرط، واتفاق الشرع والوضع على القضاء بذلك, فإن من قال: «من أتاني أكرمته» لم يختص وجوب إكرامه بالذكور دون الإناث.
وكذلك من قال: «من دخل داري من أرقائي فهو حر» اندرج في حكم التعليق العبيد والإماء.
وقيل: «تعم شرعًا الذكور الأحرار فقط» [5] .
وقد نُسِبَ الزنجاني [6] - رحمه الله - إلى السادة الحنفية أنهم يقولون: «إن «من» إذا وقعت شرطًا تكون خاصة بالذكر دون الأنثى» وقال: «إنهم احتجوا في ذلك بأن من قال بالتسوية بينهما فقد أبطل تقسيم العرب فيهما ورد لغتها فإنهم قالوا في الذكور: «من، ومنان، ومنون» وقالوا في الإناث «منه، ومنتان, ومنات» .
(1) سورة النور رقم: 45.
(2) السرب جماعة من الطير, والقطا نوع من الطير يشبه الحمام. راجع: لسان العرب مادة سرب، وقطا.
(3) سورة الحج آية رقم: 18.
(4) راجع: تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص: 178، ونهاية السؤل 2/ 66.
(5) راجع: نهاية السؤل 2/ 66.
(6) تخريج الفروع على الأصول ص: 178.