المتحدة اخر دولة ـ او هكذا المفترض ـ يحق لها اتهام الغير باستضافة او رعاية الارهاب والارهابيين وان حجتها تلك ضد طالبان حجة مردودة عليها ولا تبرر هذه الحملة الدموية في الافغان ولا تفسرها مما يدفعنا الى اليقين بان وراء الاكمة ما وراءها.
قد تمتلك الولايات المتحدة ترسانة عسكرية ضخمة تمكنها من تطبيق التدخل العسكري الخشن والطليق في انحاء متفرقة من هذا العالم لترتيب اوضاع وتكريس وقائع تخدم في النهاية مصالحها المباشرة، لكن هذا شيء، وما اشار اليه نيكسون (الرئيس الامريكي الاسبق) في كتابه الخطير الذي اصدره بُعيد ذوبان الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينات عندما مجد بدور الامريكان وقال بأنه عليهم (من الآن) الامساك بتلابيب ما اسماه بـ (القيادة الروحية ( Spiritual leadership لهذا العالم شيء اخر تمامًا.
(انظر كتابه: انتهزوا الفرصة ( Seize the Moment. وقد يكون مُكنة الولايات المتحدة ان تمارس(في الافغان مثلا) دور (سلاح المدفعية) الذي يقصف من بعيد فيسوي الارض وما عليها، لكن لن يتمكن الامريكان من ممارسة دور (سلاح المهندسين) الذي يبني ما بعد الهدم. شيء مهم يجب ان تدركه الولايات المتحدة وهو ان (الحق فوق القوة) وكان من المؤمل انه بعد 11/ 9/2001 تبدأ الولايات المتحدة الطريق في ادراك هذه الحقيقة، لكن للاسف، فعقلية (رامبو ( Rambo مازالت سائدة في الادارة الامريكية وربما حتى في الجمهور الامريكي.
? الحسبة الاستراتيجية التي تنطلق منها الادارة الامريكية بكل انتفاشها الاعلامي والتي تقوم ـ في الجوهر ـ على (البأس العسكري) كعامل حسم هي نفس الحسبة الاستراتيجية التي ينطلق منها ما تسميه الولايات المتحدة (الارهاب) وهي حسبه تقوم على اساس (العنف) كعامل حسم. الفرق موضوعي وظرفي وهو ان ما تسميه الولايات المتحدة بـ (الارهاب) يلجأ الى العنف من موقع ضعفه وقلة حيلته واما عنف الترسانة العسكرية الامريكيةوخاصة ( B52) فهو عنف من موقع هيمنة Hegemony وغطرسة Arrogance تلمع بهما عينا رامسفيلد (وزير الدفاع) خلال مؤتمراته الصحفية شبه اليومية.
? لقد قرأ الامريكان فيتنام وايران والصومال ولبنان والعراق وغيره قراءة خاطئة وها هم يفعلون نفس الشيء في الافغان، قد يتمكنون من تدمير كل شيء في الافغان، لكنهم لن يتمكنوا من بناء شيء هناك، ذلك لانهم يملكون سلاح المدفعية لكنهم تعوزهم عبقرية سلاح المهندسين.
يفجيني بريماكوف Y.Primakov ( الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات السوفياتية KGB ووزير خارجية روسيا الأسبق) يحتل مكانة بارزة في أوساط الفكر الاستراتيجي الروسي وله اجتهادات في مجال الفكر الاستراتيجي الروسي وهو شخصية لصيقة بالرئيس الروسي الحالي بوتين ويعتبر من أقرب المستشارين القريبين منه. فمنذ 1992 يبشر بريماكوف بفكرة كبيرة للغاية لكي تخرج روسيا من معضلتها الاستراتيجية بعد ذوبان الاتحاد السوفياتي رسميا 1991 وتشرذمه إلى خمس عشرة جمهورية متناثرة. يقول بريماكوف إنه يتعين على الثلاثي: روسيا والصين والهند تكوين مثلث للتحالف الاستراتيجي يواجه بدوره الزحف الأمريكي على القارة الآسيوية من خلال مفهوم العولمة واتفاقية التجارة الدولية ( WTO) . لقد كسبت فكرة (مثلث بريماكوف) أنصارا كثرًا في إدارة الكرملين وتم تكليف بريماكوف رسميا بمتابعتها مع الصين والهند وقطعت مساعيه مسافات واعدة نحو نشوء وقيام قطب جديد مزاحم للولايات المتحدة في السياسة الدولية وكابح لكثير من مشاريع الهيمنة في البيت الأبيض.
أفغانستان تقع في قلب مثلث بريماكوف ولذا سنلاحظ أن مهمة كولن باول هذه الأيام هي غواية أطراف المثلث (الصين ـ روسيا ـ الهند) للتخلي تماما عن فكرة بريماكوف مقابل التالي: إدماج روسيا في الحلف الأطلسي وفق صيغة تشبع الكبرياء الروسي، وتصريحات روبرتسون Robertson ( المسؤول في الناتو) الأخيرة أفصحت عن ذلك ومنح الهند مقعدا دائما في مجلس الأمن وهو أمر يبحث الآن الطرفان الأمريكي والهندي تفاصيل تكييفه السياسي ومنح الصين ميزات تجارية كبيرة في السوق الأمريكي ووعود أمريكية مؤكدة بعدم التدخل في شؤون الصين الداخلية (لعبة حقوق الإنسان في الصين والعبث بورقة الأقليات الدينية في الصين: المسيحية والاسلامية) . هيمنة الأمريكان الحالية في أفغانستان ـ تحت مظلة مكافحة الإرهاب ـ ستتيح لهم قتل فكرة بريماكوف في مهدها وهي فكرة حركت قلقا رسميا متصاعدا في البيت الأبيض ووزارة