الصفحة 25 من 27

ونحن نقترب من نهاية هذه السلسلة جدير بنا أن نركز على فكرة لطالما كانت ملحة خلال تناولنا للموضوع ألا وهي ـ أي الفكرة ـ (حاجة الأمريكان الملحة لتطوير ذراعهم السياسي) لتخفيف اعتمادهم الباثولوجي على آلتهم العسكرية الصماء العمياء التي تضرر منها المسلمون في أنحاء متعددة من هذا العالم ما بين تيمور الشرقية في إندونيسيا إلى العراق والصومال. فمن الملاحظ أن الإدارة الأمريكية في شكل عام والإدارة الحالية في شكل خاص تخلو من (أهل الخبرة السياسية في شؤون العالم) وأن معظم الذين يحيطون بالرئيس الأمريكي هم إما من العسكريين أو من الإداريين الذين وصلوا إلى مناصبهم السياسية لاعتبارات داخلية أمريكية. وعندما تخلو الإدارة السياسية ـ لأي دولة ـ من السياسيين ذوي الخبرة والمعرفة والدراية والتتبع لشؤون العالم وتزدحم بالعسكريين يكون من الطبيعي والمتوقع (عسكرة الإدارة) وهذا ما حدث لإدارة بوش بالذات.

ونقصد بعسكرة الإدارة طغيان المنطق العسكري في استيعاب وفهم (كشف الربح والخسارة) . لذلك سنلاحظ أن مايرز وهو عسكري أو رامسفيلد وهو عسكري .. يقف الواحد منهما ويكاد يطير من الفرح وهو يشير إلى الخريطة مؤكدا بالصور أن الطائرات المقاتلة الأمريكية أصابت ذاك الهدف ودمرته دون أن يتم تفسير ذلك في سياق سياسي، فتظهر الولايات المتحدة لجميع العالم وكأن لديها (سلاح مدفعية) يدمر وليس لديها (سلاح مهندسين) يبني، وهذه ـ في حد ذاتها ـ رسالة إعلامية سلبية في المعيار السياسي خاصة إذا كان هذا العمل يتم في بلد كأفغانستان تخلو أجواؤه من أي طائرات معادية للولايات المتحدة فالسؤال الذي يرد على عقل المشاهد: ما الذي يدعو هذا اللكع رامسفيلد إلى الفخر؟

عسكرة إدارة بوش هي (الكتلة الحرجة) التي تعترض طريق التفاهم بين الولايات المتحدة وهذا العالم: سواء في زيارة بوش الحالية للصين أو حتى في فهم تصريحات وزير خارجية فرنسا فيدرين وتصريحات وزير خارجية ألمانيا فيشر المنتقدة للولايات المتحدة. إن العالم ـ وهذا ما ينبغي أن يفهمه بوش والذين يحيطون به ـ ليس ثكنة barracks ولن يكون ثكنة إنما هو بحر متلاطم من الثقافات والحضارات والألسنة والتواريخ والموروثات والتشوفات لا تفهمها طبقة الاحترابيين في البنتاغون إنما تفهمها (العبقرية السياسية) التي تخلو منها الادارة الامريكية. ان هزيمة هتلر وموسوليني ونابليون ـ في جوهرها ـ لم تكن لأسباب عسكرية كما يحلو للبعض أن يفهم، إنما كانت لهذا السبب: عسكرة الإدارة بحيث لا تسمع القيادة السياسية وإلا جعجعة السلاح وصرير المجنزرات.

هذا ما هزم (الرايخ الثالث) وهذا ما سيهز منطق: AMERICA WILL ALWAYS COME FIRST.

بات واضحا ـ بعد عملية البرجين 11/ 9/2001 في مانهاتن ـ ان المشروع الأمريكي العالمي يستهدف ـ في العالم الإسلامي ما بين جاكرتا ونواكشوط ـ تحقيق أعلى درجة من علمنة النظم السياسية وعولمة القمع فيها أي في هذه النظم. إذن نستطيع أن نقول بأن حركة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي بعد 11/ 9/2001 سوف تتمحور في مجالين: علمنة النظم السياسية في العالم الإسلامي أي الفصل ـ ما أمكن ـ بين هذه النظم والإسلام بحيث يتجلى هذا الفصل ليس فقط في الاتجاه العام للنخبة الحاكمة بل يغوص إلى قاع العملية التعليمية والتشريعية والاقتصادية وتبعا لذلك السياسية. نتيجة تلك العلمنة ستكون في تحويل الإسلام إلى كنيسة وكهنوت أي إلى مسجد سيتحول بالممارسة إلى معتقل أليف للإسلام يرفد العمل فيه فئة من الناس منفكين تماما عن نبض الحياة اليومية لعموم الأمة الإسلامية التي تعاني من الثالوث التاريخي المدمر: الطغيان السياسي وسوء توزيع الثروة والتحلل الاجتماعي. أما المجال الثاني الذي ستنشط فيه حركة الولايات المتحدة فهو دعم المقدرة القمعية للنظم السياسية في العالم الإسلامي وتزويدها بثقافة القمع ومبتكراته لكي تقوم بتصفية الحركة الأصولية الإسلامية بشتى راياتها ومسمياتها وتشجيع كل الأطياف السياسية الأخرى المناوئة للأصولية الإسلامية تماما كما حصل في مرحلة السبعينيات عندما أدركت الولايات المتحدة ان الحركة الأصولية الإسلامية هي خير سلاح تشهره ضد الاحتلال السوفياتي للأفغان.

ونتوقع أن تولد هذه الحركة الأمريكية في هذين المجالين: علمنة النظم السياسية وعولمة القمع، نقول، نتوقع أن تولد ـ كنتيجة لذلك ـ المخاض الداخلي ضمن الأقطار الإسلامية بين الذين يؤيدون المسعى الأمريكي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت