حيث هو ظاهرة دولية ـ اصبح علما يدرس في الاكاديميات العسكرية واقسام العلوم السياسية في كبريات الجامعات العالمية. يقسم هذا العلم درجات الصراع الدولي الى ثلاثة اقسام: صراع مرتفع الحدة (مثل الحرب العالمية الثانية) وصراع متوسط الحدة (مثل حرب الخليج 1991) وصراع منخفض الحدة (مثل ما جرى ويجري الآن في الافغان) . الصراع الاول والثاني اطرافه دول وجيوش رسمية وهو صراع متوازي Syetrical ربما يتبنى طرفاه نفس العقيدة العسكرية لكنهما يختلفان ـ ربما ـ في العدد والعدة. لكن الصراع الثالث (المنخفض الحدة Low intensity conflict) فهو صراع غير متواز asyetrical يكون طرفا الصراع: دولة رسمية مقابل جماعة راديكالية تتبنى عقيدة استراتيجية تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية للدولة المعنية في الصراع. يؤكد عدد غير قليل من علماء الاستراتيجيا المحدثين ان الولايات امتحدة اثبتت نجاحها في الصراعات المرتفعة والمتوسطة الحدة لكن من جهة اخرى اثبت التاريخ العسكري المعاصر ان الولايات المتحدة لم تحقق نفس النجاح في الصراعات منخفضة الحدة وذلك لاسباب موضوعية عديدة ليس هنا المجال المناسب للخوض فيها. وهذه ثالثة.
أميركا تبيع السلاح إلى جميع القوى المتنازعة!
ــ يقول الرئيس الاسبق للولايات المتحدة دوايت ايزنهاور D.Eisenhower في مذكراته الموسومة «سنوات البيت الابيض» The White House Years ان: «الجزيرة العربية هي اثمن قطعة عقار على وجه الارض يجب ألا نفرط بها» على حد تعبيره the most precious piece of real estate )) . هكذا اختصر ايزنهاور منظوره للجزيرة العربية بتاريخها ومكانتها الروحية للعالم الاسلامي: قطعة عقار ثمينة تدر ريوعا على الخزينة الاميركية. ــ لا تعاني الادارات الاميركية المتعاقبة على البيت الابيض من خلل هيكلي في (نظام القيم) فقط، بل هي تعاني كذلك من خلل كالمنخل في (نظام المفاهيم) ايضا. على صعيد الخلل في (نظام القيم) لديها فهي تكذب يوميا ـ وقبل طلوع الشمس ـ على جميع العالم: تتحدث عن (السلام والاستقرار في العالم) وفي نفس الوقت تحتكر خمسين بالمائة من تجارة السلاح عالميا وتبيعه لجميع الاطراف المشتركين في نزاعات مسلحة على مستوى العالم وتعاقب اي طرف ينافسها في هذه التجارة. وتتحدث عن (الديمقراطية وحقوق الانسان) وفي نفس الوقت ـ واستجابة لمصالحها ـ تدعم وتؤازر نظما سياسية في انحاء متفرقة من هذا العالم بينها والديمقراطية وحقوق الانسان عداوة تاريخية. وتتحدث عن ارادة (المجتمع الدولي والشرعية الدولية) وهي اكثر من لجأ الى حق النقض (الفيتو) في مجلس الامن لاعاقة ارادة المجتمع الدولي والشرعية الدولية. البعض ـ تلطفا ـ يسمي هذا الخلل لدى الادارة الاميركية (ازدواج معايير double standard بينما هو في واقع الحال: كذب في كذب ودجل في دجل. ــ بعد عملية البرجين 11/ 9/2001 في مانهاتن انسحب هذا الخلل الى(نظام المفاهيم) لدى الادارة الاميركية فلم تعد تتصرف ـ عالميا ـ وفق مقاييس معقولة بل تتصرف وكأن هذا العالم فراغ
خال تماما من الدول والشعوب والثقافات والمصالح والحضارات غير الاميركية. ومن يتابع تصريحات بوش ورامسفيلد وتشيني ومايرز وباول ومن يتابع صحافة الولايات المتحدة ومحطات التلفاز فيها ويستمع الى اذاعة (صوت اميركا VoA ) لا يحتاج الى كثير ذكاء لكي يكتشف ان الاميركان عموما ـ وبالاخص ادارتهم ـ قد تحولوا فعلا الى امة: (تنظر في المرآة الى نفسها دائما دون ان تطل من النافذة الا لماما) . كما قال السناتور الاميركي جوزيف بايدن. لقد وقع هذا الاخير في نفس الحفرة عندما ذكر في مقالة له نشرها مؤخرا يقول فيها انه بعد عملية البرجين في مانهاتن (تستطيع الولايات المتحدة ان تحدد مستقبل العالم للسنوات الخمسين المقبلة وفق مصالحها الاستراتيجية) . هكذا بكل بساطة ألغى هذا السناتور الاميركي ارادات الدول والشعوب في كل انحاء العالم ووضعها في جيبه لمدة نصف قرن!!.